جاء هدي النبي وسنته بأحسن الأحوال وأقوم الأخلاق في تعامله مع النسا، وكان في تعامله (صلى الله عليه وسلم) مع أهل الديانات الأخرى مثالًا للتسامح، فقد قدّم سيدنا محمد (صلّى الله عليه وسلم) أروع الأمثلة في التّعامل مع غير المسلمين من المشركين واليهود والنّصارى؛ فعنما كان يعيش بجوار المشركين في مكة، تعامل معهم بأخلاقه العظيمة لا بأخلاقهم، إلى درجة أنهم كانوا يثقون به، وسموه الصادق الأمين، وكان يقرئ الضيف، ويرود المريض، ويعين الضعيف، ويغيث المحتاج.
وعندما أسسّ الرسول (عليه الصّلاة والسّلام) الدولة الإسلاميّة في المدينة المنورّة، وامتدّت بقاع الإسلام في كل مكان، أصبح التعامل مع اليهود والنّصارى واجبًا على المسلمين، ولكن ضمن إطار وثوابت شرعيّة حددّها الله عز وجل، وامتثل لها الرّسول (عليه الصّلاة والسّلام)، وهي التعامل معهم بالبر، والقسط، والحزم، والعدل ما لم يتم نقضاً للعهود فضلا عن دعوتهم للإسلام والمناظرة، قال تعالى:(لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة ـ 8).
وأهل الكتاب يسمون أهل الذمة ما داموا يعيشون في أوساط المسلمين، وتحت حمايتهم، وإدارتهم، وذمتهم، وهم اليهود والنصارى، كما جاء في القرآن الكريم، وقد سماهم الله بـ(الكتابيين) لأنه أنزل إليهم كتابَين ليدعوهم إلى عبادة الله وحده، فقد أنزل التوراة على سيدنا موسى (عليه السلام) وأنزل الإنجيل على سيدنا عيسى (عليه السلام)، وقد بيّنت الشريعة الإسلامية أنّ لهم أحكاماً تخصهم تختلف عن أحكام المشركين. وفي هذا الدرس نتعرف على تعامل رسولنا الكريم مع أهل الكتاب والمشركين عمومًا.
ـ أسس تعامله مع غير المسلمين: تأكيده (صلى الله عليه وسلم) على وحدة الأصل الإنساني، وهي المظهر الأصيل الذي ينبغي أن يستحضر أثناء التعامل العام مع الناس، فمن مبادئ الإسلام الأساسية أن الناس كلهم من أصل واحد، قال الله تعالى:(يَا أَيُّها النَّاسُ إِنَّا خَلَقنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلنَاكُم شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات ـ 13).
ـ التسامح الإنساني: لقد كرَّم الله عموم الناس لمعنى الآدمية التي فيهم، فقال سبحانه:(وَلَقَد كَرَّمنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلنَاهُم فِي البَّرِ وَالبَحرِ وَرَزَقنَاهُم مِنَ الطيِّبَاتِ وَفضَّلَناهُم عَلَى كَثِيـرٍ مِمَن خَلَقنَا تَفضِيلًا) (الإسراء ـ 70)، وتكريم الإنسان هذا لا يحدُّه زمان ولا مكان، سواء كان حيًّا أو ميتًا.
ـ الرحمة: ومما روي في تعامله (صلى الله عليه وسلم) مع غير المسلمين، وتكريم الأحياء منهم، ورحمتهم والعطف عليهم، حتى لو كانوا مذنبين ـ وذلك من أجل الإنسانية التي فيهم: (أنه مرَّ بأسير في وَثاقه، فناداه: يا محمد، يا محمد، فأتاه فقال: ما شأنك؟ قال: إني جائع فأطعمني، وظمآن فاسْقني، فأمر له النبي (صلى الله عليه وسلم) بقضاء حاجته) (رواه مسلم).
ـ العفو عند المقدرة: يقول الله عز وجل:(فَاعفُوا وَاصفَحُوا حَتَّى يَأتيَ اللهُ بِأمرِهِ)، كان هذا الخطاب للمسلمين في تعاملهم مع غير المسلمين، من الأمور التي دعا إليها الإسلام ورغَّب فيها، العفو عند المقدرة، وقد أرشد الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) إلى العفو عن الآخرين ولو كانوا غير مسلمين، فقال سبحانه:(وَلا تَزالُ تَطَّلعُ عَلى خَائِنةٍ مِنهُم إِلَّا قَليلًا مِنهُم فَاعفُ عَنهُم وَاصفَح إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحسِنين) (المائدة ـ 13).
ـ الدعوة والاستقطاب: كان يطمح نبينا من خلال تعامله الرائع أن يستقطب أفئدتهم آملًا أن تلين إلى القرآن والإسلام والهداية، وقد وصف الله تعالى تأثره إن استعصت قلوبهم عنه بقوله:(فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) (الكهف ـ 6)، وأفاد حديث رواه البخاري ومسلم حجم تأثره بموت أحدهم وإفلات نفسه من الجنة، أن سهل بن حنيف وقيس بن سعد كانا قاعديْن بالقادسية، فمُرَّ بهما بجنازة فقاما، فقيل لهما: إنها جنازة غير مسلم، فقالا: مرَّت برسول الله (صلى الله عليه وسلم) جنازة فقام لها، فقيل: إنها جنازة يهودي! فقال: أليست نفْسًا!.
ـ حفظ حقوقهم المالية: ومن الوقائع العملية المنقولة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) في تعامله مع غير المسلمين في المجالات المالية والدنيوية، (ما رواه النسائي والحاكم): (أنه طلب من صفوان بن أمية ـ قبل إسلامه ـ يوم حنين أن يُعيرَه أدْرُعًا، فقال صفوان: أغصْبا يا محمد؟ قال: بل هي عارية مضمونة، فلما ضاع بعضُها عرَض عليه النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يضمنها له ويعطيه قيمتها، فقال: لا، أنا اليوم في الإسلام أرغب، ثم أسلم)، وهكذا استطاع النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يكسب ثقة هذا الرجل وأمثاله فيدخلهم في الإسلام، نتيجة حسن خلقه العملي القويم، وسمو سلوكه وإحسانه العظيم. وكان يتعامل معهم بالمال فعن عائشة رضي الله عنها: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ فَرَهَنَهُ دِرْعَهُ).
سامي السيابي
كاتب عماني
(اللجنة الثقافية لفريق الهلال – نفعاء)