أيها القراء الكرام.. إن ديننا الحنيف دين شامل متكامل، فلم يأمرنا الله تعالى بالتكاليف الشرعية فقط، كأداء ما أفرضه علينا مثل: الصلوات، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، والسفر لأداء العمرة أو الحج فحسب، بل هناك أمر أخرى يأمرنا الله تعالى بها، تسير مع الفرائض جنبًا إلى جنب، ولو تأملنا القرآن الكريم نجد أنه أعطى أولويات كبيرة لأمور أخرى أيضًا، قد يغفل عنها الكثيرون، وهنا محطات لا حصر لها نقف منها على محطة واحدة في هذا المقام، فلو تدبرها الناس لسكنت قلوبهم الخشية من ربهم، ووالله لو أنهم علموا بها حق العمل لما انحرف من الناس أحد عن جادة الطريق، لأنه يعلم أن أمامه عقبة لن يتجاوزها إلا بأشياء ذكرها الله تعالى، وسنشرحها فيما يلي، إنها مجموعة آيات من سورة البلد، لو تدبر الناس هذه الآيات الكريمة لما وجدت بينهم من يأكل حراماً، وما سمعت عن مرتش، وما تجرأ أحد على قتل أخيه ولا سفك دمه، وما قبل إيمان إنسان بربه أن يدعه يسرق مال أحد من الناس، بل لتحسست بينهم حقيقة التوكل على الله تطفوا على سطح حركاتهم وسكناتهم، فما تلك الآيات؟ إليكم هي:(وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْن) (البلد ـ 10)، يقول ابن عاشور: الإنسان خلق محبا للمعرفة محبا للتعريف فبمشاعر الإدراك يكتسب المشاهدات وهي أصول المعلومات اليقينية، وبالنطق يفيد ما يعلمه لغيره، وبالهدي إلى الخير والشر يميز بين معلوماته ويمحصها، وقد استعيرت الهداية هنا للإلهام الذي جعله الله في الإنسان يدرك به الضار والنافع وهو أصل التمدن الإنساني وأصل العلوم والهداية بدين الإسلام إلى ما فيه الفوز، واستعير النجدان للخير والشر، وجعلا نجدين لصعوبة اتباع أحدهما وهو الخير فغلب على الطريقين، أو لأن كل واحد صعب باعتبار، فطريق الخير صعوبته في سلوكه، وطريق الشر صعوبته في عواقبه، ولذلك عبر عنه بعد هذا ب العقبة، كما (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وإِمَّا كَفُورًا) (الإنسان ـ ٣)، أي: هديناه الطريقين فلم يسلك النجد الموصل إلى الخير، والمعنى: أنه يدعي إهلاك مال كثير في الفساد من ميسر وخمر ونحو ذلك، أفلا أهلكه في القرب والفضائل بفك الرقاب وإطعام المساكين في زمن المجاعة فإن الإنفاق في ذلك لا يخفى على الناس خلافا لما يدعيه من إنفاق» (تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير30/ 354)، يقول صاحب (التفسير الوسيط): «والمعنى: لقد جعلنا للإنسان (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَينين، ولسانًّا وشفتين، وهديناه النجدين) (البلد 8 ـ 10)، فهلَّا بعد كل هذه النعم، فعل ما يرضينا، بأن جاهد نفسه وهواه، وبأن قدم ماله في فك الرقاب، وإطعام اليتامى والمساكين، فلم يشكر تلك الأيادي والنعم بالأعمال الصالحة: من فك الرقاب، وإطعام اليتامى والمساكين، وقد ذهب جمع من المفسرين إلى أن المراد بفك الرقبة: أن يخلص الإنسان نفسه من المعاصي والسيئات، التي تكون سببًا في دخوله النار، وحمل النفس على طاعة الله تعالى يتمثل في فك الرقاب، وفي إطعام المحتاجين في يوم يشتد فيه جوعهم، والمتربة: الحاجة والافتقار الشديد، افتقر، حتى لكأنه قد لصق بالتراب من شدة الفقر، وأنه ليس له مأوى سوى التراب، فاقتحام العقبة من أكبر مظاهره: فك الرقاب، وإطعام الطعام لليتامى الأقارب، وللمساكين المحتاجين إلى العون والمساعدة.. وللحديث بقية.
د.محمود عدلي الشريف