الثلاثاء 25 أغسطس 2026 م - 12 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

التهديد والوعيد.. أدواته اللغوية واستعمالاته «قراءة فـي بعض آيات الذكر الحكيم» «1»

الأربعاء - 05 أغسطس 2026 02:29 م
30


يأتي التهديد، والوعيد في لغة العرب متخذًا أنماطًا متعددة، ويجيء في أثواب لغوية كثيرة، غَطَّتْ كلَّ ما في صدور المهدِّدِينَ من أحاسيسَ، وشملت جميعَ ما في نفوسهم من غيظ، وحقد، وصلف، وكبر، واستوعبت ما في ذواتهم من أساليبَ أرعدتْ، وأبرَقَتْ، وزَمْجَرَتْ، وكأنها إذاعاتٌ تنطلق منها التهديدات هنا وهناك، وهنالك، تهزُّ كياناتِ الفقراء المستذلين، والضعفاء المقهورين.

ونأخذ هنا نماذجَ لهؤلاء المتكبرين المهدِّدين المتغطرسين، ونرى على الاتجاه الآخر أنَّ أهلَ الإيمان لا يُقِيمون وزنًا لهؤلاء، وكأنهم من صغرهم لا يُرَوْنَ، ولحقارتهم لا يُؤْبَهُ لتهديدهم، وكأنه لم يخرج أمامهم، ولم يسمعوه.

ـ النموذج الأول: قول فرعون للسحرة الذين جاء بهم معتزًّا بنصرتهم، وغلبة موسى، وهارون ـ عليهما السلام ـ ففوجئ بأنهم آمنوا بربِّ هارون وموسى، يقول الله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ، فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ، وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ، قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ، قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ، قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُون، وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ) (الأعراف 117 ـ 126).

هؤلاء السحرة أناسٌ عاديُّون، حاولوا الخداع، واجتهدوا فيه، ولكنهم إذا كذبوا على الناس كلِّهم، فإنهم لا يكذبون على أنفسهم، وهم متيقنون أنهم سحرة، وأن لهم حَدًّا يقفون عنده، فلما وجدوا الحقَّ أمامهم، وأن سحرهم ما هو إلا خداع، وليس سحرًا حقيقيًّا، وأنه خداعُ بصرٍ، وأن ما جاء موسى ـ عليه السلام ـ هو أمرٌ حقيقيٌّ لم يعهدوه في عالم السحر، خَرُّوا ساجدين مُقِرِّينَ لموسى وهارون ـ عليهما السلام ـ بالنصر والغلبة، ومقرين لله بالربوبية:(قالوا آمنا برب هارون وموسى)، فبدأ التهديد والوعيد، وعلو الصوت، والزمجرة، والغضب الشديد، والوعيد الأكيد من فرعون، ولننظر الأنماط التي وردت على لسان فرعون اللعين؛ مهدِّدًا ومتوعِّدًا، ومُبْرِقًا، ومُزْبِدًا، ومُرْعِدًا، ومُرْعِدًا:(قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ، لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ).

فمثلًا التهكم، وهز الرأس، عُلُوًّا وسُفُلَّا، وتقطيب الجبين، والسخرية، والاستهزاء، والدوران حولهم، وضرب الكرباج على يديه مزمجرًا:(آمنتم به قبل أن آذن لكم؟!).. إنه أسلوب سخرية يعلمه العربُ، ويُحسِنون إدراكَ وقعه في سياقه، والغريب أنه ساقط لغويًّا حين قال:(آمنتم به)، والأصل: آمنتم له؛ لأن موسى ـ عليه السلام ـ ليس ربًّا؛ حتى يؤمنوا به، وكانت بلقيسُ رغم أنها امرأة، لكن كانت أعقلَ منه، وأكثرَ فهمًا لطبيعة اللغة الدينية، ومصطلحاتها حين قالت:(وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين)، فلم تقل:(أسلمت لسليمان)، وإنما قالت:(أسلمت مع سليمانَ لله ربِّ العالمين)، فلما دخل الإيمانُ قلبها استعملت المصطلح اللغوي الدقيق، الذي يوجبه الموقفُ، وتحتِّمه العقيدة الصحيحة، ويُوجِبُهُ الإيمانُ الصادقُ.

فأول نمط من أنماط التهديد أن تجد الجملة ذاتَ نبرٍ صاعدٍ، قد حُذِفَ منها حرفُ الاستفهام؛ تهديدًا، وزمجرة، والأصل:(أآمنتم به..)، ولكنه حذفه تهديدًا، ووعيدًا، لكنه استفهامُ الساخر، وتساؤلُ المتعجرف، واستنكارُ الصلف المتكبر، الذي يعلم أساليب التهديد، والوعيد، التي تُذِيبُ منهم العظام، وتسيل اللحوم خوفا، وهلعا، وتضطرب معها النفوس المريضة، والأرواح الضعيفة، ثم انتظرَ برهةً؛ ليرى وقع تهديده المغلَّف بالسؤال عليهم، ومردوده بهم، ثم عَقَّبَ بنمط أشدُّ تهديدًا، وكأنه فاهمٌ لنفسياتِ المهدَّدِينَ، الضعفاء المساكين، فراح يستمر في تهديدهم بنمط أكثر صرامةً وحدةً؛ لعلهم يرجعون عن إيمانهم، فقال ملاحقًا لقوله الأول:(إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)، مستعملًا ألوان التأكيد صاحب النبرة الصاعدة، فجاء بـ(إنَّ)، واللام المزحلقة التي تهزُّ قلوبَهم هَزًّا، وتَؤُزُّ أفئدتَهم أَزًّا:(إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ)، ثم رماهم بالمكر، والخداع، فكأنما يتهم نفسه بأنه عالم بأنه مكر منهم، وخداع لا حقيقة، بل خيال: (مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ)، كأنه متابعهم، وله عيونٌ ترمقهم في كل مكان، وله جواسيسُ توصل إليه أعمالهم هنا، وهناك، واستعمال:(في المدينة) أيْ: في أغوارها، وزواياها، وطواياه، وتأتيه التقاريرُ السِّرِّيَّةُ فيما يقوم به هؤلاء في كلِّ مكان انظرفوا فيه، وأحاطهم حتى إنهم لا يرون مَنْ بعدهم، وتغلغلهم في أحياء المدينة البعيدة، والقريبة، وتداخلهم في المجتمع، ووصولهم في كل مكان فيه، و(أل) في (المدينة) عهدية ذهنية، وجمع الفعل، والمجيء بواو الإشباع تهديدٌ آخر(مكرتموه) فمجيء الهاء استدعى ضمَّ الميم التي أنتجتْ حرف الإشباع الواو، فكأنه يكشفُ لهم شريطُ مكرهم، ويرصد خُطاهم في شرق، وغرب، وشمال، وجنوب المدينة، وأنه أحضرهم جميعًا في لحظات، وكلُّ ذلك يعمل عمله في نفوس هؤلاءِ الضعاف قبل إيمانهم.

ثم ذكر لهم عِلَّةَ سِحْرِهِمْ، وخداعهم، وكأنه لم يأتِ بهم للاستعانة على ما جاء به سيدنا موسى ـ عليه السلام ـ فبيَّن العلةَ، وأنه رجلٌ يخاف على المجتمع من تلك الطغمة، الآثمة:(لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) كأنهم ليسوا من أهلها، وأنهم أتوا من خارج مدينته التي هي حقه وحده، وكأنهم ليسوا من أهلها، ولا يتبعون جنسية مَنْ فيها، ثم انتقل إلى نمط آخر من التهديد، وهو قوله لهم كفاحًا:(فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)، وحذف مفعولَيْ (تعلمون)؛ ليذهبوا في تصور المهدَّد به كل متصور، ويتخيلوا معه كل متخيل، ويعيشوا لحظة التهديد بكامل نفسياتها؛ لعلهم يرجعون عن إيمانهم، وسوف تفيد التهديد هنا، وحذف المفعولين أقوى من ذكرهما؛ لأن ذكرهما يجعلهم يعرفونه، ويستوعبونه، أما حذفه، فهو عذاب فوق العذاب، كما تقول لمن تهدده:(سترى ما سأفعله معك، ولن أقول ما سوف أفعله)، فيظل المسكين يقلب عقله، ودواخل نفسه في كل ما يمكن أن يقابله فيه من كل ألوان التهديد، والوعيد التي قد تتخيل، والتي قد لا تتخيل، ثم سلك طريقًا أبشعَ في التهديد، والوعيد، ومضى أشواطًا في أساليب التهديد بعد أن سلك كل تلك السبل من الإبراق، والإرعاد، والزمجرة، والهرطقة، والعربدة، والصريخ في وجوههم، وهم ملتزمون الصمتَ، والسكوتَ بين يديه، قال متوعِّدًا وصارخًا في وجوههم، وهو فرعون الذي كان إذا مر بين قوم ذابتْ أعضاؤهم خوفًا، والذي تكبَّر حتى وصل به الحال لأن يقول:(أنا ربكم الأعلى)، وارتكب تلك الحماقات الإنسانية بارتداء مسوح الآلهة، وأوهم نفسه أنه إلهٌ أعلى، ومضى في الناس كذلك؛ حتى صدقه المغفلون منهم، قال:(لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ).

د.جمال عبدالعزيز أحمد 

 كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية

[email protected]