التجارب الدبلوماسيَّة الناجحة المؤدية إلى نجاح الاتفاقات لا تُبنى عادةً على حل جميع القضايا دفعةً واحدةً، وإنَّما على ترتيب الأولويَّات، والبدء بما يُحقق المصالح المشتركة بين الطرفين، ثم الانتقال تدريجيًّا إلى الملفات الأكثر تعقيدًا. ومن هنا، فإن تأجيل التفاوض بشأن البنود الحرجة في مذكرة التفاهم الإيرانيَّة ـ الأميركيَّة لا ينبغي تفسيره على أنَّه تعثرٌ في المفاوضات، بل قد يكون مؤشِّرًا على تَبنِّي نهج أكثر واقعيَّة لإدارة التصعيد وتقسيط المراحل بالتدريج.
الملفات الأمنيَّة والاستراتيجيَّة غالبًا ما تكون حسَّاسةً جدًّا؛ لذا يستلزم التوصل إلى حلول بشأنها من أجلِ بناء الثقة، وهذه الملفات لا يمكن الحديث عن تفاصيلها دفعةً واحدة، بل تأجيل بحثها وإرجاء مناقشتها إلى مرحلة لاحقة، ما قد يمنح العمليَّة التفاوضيَّة فرصةً أكبر للنجاح، بدلًا من تعريض التفاهمات للانهيار بسبب عدم الثقة بين الطرفين، وهو ما يحدث على أرض الواقع ـ للأسف ـ بين الولايات المُتَّحدة وإيران خلال المرحلة الفائتة.
لا شك أن تثبيت مبدأ استمرار الملاحة والمرور الآمن في مضيق هرمز دون فرض رسوم على السفن العابرة يحمل دلالات سياسيَّة واقتصاديَّة وقانونيَّة بالغة الأهميَّة، باعتبار أن القانون الدولي يكفل حُريَّة الملاحة في الممرَّات الدوليَّة، والمضيق ليس ممرًّا إقليميًّا فحسب، بل يُمَثِّل أحَد أهمِّ شرايين الاقتصاد العالمي؛ إذ يمرُّ عبره جزءٌ كبير من صادرات النفط والغاز والتجارة البحريَّة الدوليَّة، لذا فإنَّ أيَّ تفاهم يحافظ على انسيابيَّة الملاحة يبعث برسالة اطمئنان إلى الأسواق العالميَّة، والدول المستوردة للطاقة، وكذلك القوى الدوليَّة، كما أن الالتزام بحُريَّة الملاحة ينسجم مع المبادئ العامَّة للقانون الدولي للبحار، ويُعَزِّز الثقة بين الدول المطلَّة على المضيق والمُجتمع الدولي عمومًا، ويُؤَكِّد أن أمن الممرَّات البحريَّة يجب أن يظلَّ منفصلًا عن التجاذبات السياسيَّة والعسكريَّة الراهنة.
النجاح في مذكرة التفاهم ينصبُّ أوَّلًا على هذه النقطة من المذكرة، وهي تسهيل العبور في المضيق، مع استمرار التهدئة، ما يُعَزِّز بناء الثقة، ثم الانتقال إلى تفاصيل النقاط الحرجة، مثل التعويضات والإعمار والملف النووي.. وهاتان النقطتان بالذَّات في مذكرة التفاهم يمكن أن تتمَّ المقايضة بينهما أثناء مراحل التنفيذ اللاحقة، ما تمنح أريحيَّةً للطرفين. وبالتَّالي، فإنَّ الأولويَّة الآن في ترسيخ النقاط الرئيسة في مذكرة التفاهم، وخصوصًا القضايا ذات المصلحة المشتركة، وعلى رأسها فتح المضيق دون تصعيد متبادل أو تشويش تصريحات، وهنا يصبح من السَّهل معالجة الملفات المؤجَّلة بشكلٍ أكثر هدوءًا ومرونة، كما أنَّ أيَّ تفاهم يضمن استقرار مضيق هرمز يُمَثِّل مكسبًا استراتيجيًّا لجميع دول المنطقة؛ لأن أمن الملاحة يرتبط مباشرةً بأمن الطاقة والاستثمار والتجارة والاستقرار الاقتصادي. ولا شك أن مضيق هرمز ـ باعتباره ممرًّا حيويًّا ـ تتجاوز أهميَّته حدود الإقليم، وبالتَّالي فإنَّ المفاوضات الجارية في طهران بين سلطنة عُمان وجمهوريَّة إيران الإسلاميَّة تُعَبِّر عن نجاحات متقدِّمة لمعالجة هذا الملف بشكلٍ يقود إلى تحقيق النجاح في بقيَّة بنود التفاهم، للوصول إلى اتفاق نهائي.
إنَّ نجاح هذا النهج سيُقاس في المستقبل بقدرة الأطراف على تحويل التفاهمات الأوَّليَّة إلى اتفاقات أكثر شمولًا، ويمكن لاحقًا تناول البنود المؤجَّلة بروح من الواقعيَّة والتوازن، بعيدًا عن التصعيد أو سياسة فرض الواقع؛ لذلك، فإنَّ تأجيل الملفات الأكثر تعقيدًا هو القرار الأكثر حكمةً إذا كان الهدف هو حماية مسار المفاوضات، وإبقاء مضيق هرمز فضاءً للتعاون الدولي، لا ساحةً للصراع.
خميس بن عبيد القطيطي