عندما تناولتُ في هذه المساحة قَبل أعوام ملامح الدبلوماسيَّة الثقافيَّة العُمانيَّة، كنتُ أنطلق من قناعة مفادها أن الثقافة ليست خيارًا ناعمًا أو ملفًّا مؤجّلًا، بل هي الركيزة التي تُصاغ بها الهُوِيَّات وتتحدَّد عبرها خيارات المستقبل، واليوم وأنا أعود للكتابة إليكم عبر منبر «الوطن» مجددًا لمواصلة هذا الحديث، أجد أن التحوُّلات الجيوسياسيَّة المتسارعة تجعل العودة إلى هذا الملف أكثر إلحاحًا وحتميَّة من أيِّ وقت مضى.
نعيش اليوم في عالم تزداد فيه خطوط التماس اشتعالًا وتتراجع فيه الأدوات الدبلوماسيَّة التقليديَّة عن تقديم إجابات شافيَّة للأزمات التي تحيط بنا، في كل يوم نتابع كيف تتعثر بيانات القِمم الرسميَّة، وكيف تصطدم القنوات السياسيَّة المسدودة بجدران عالية من الاستقطاب وحروب السرديَّات الوطنيَّة والأيديولوجيَّات، أمام هذا المشهد المعقَّد، يبدو واضحًا أن الدبلوماسيَّة الكلاسيكيَّة، ببروتوكولاتها المحدودة وبياناتها الحذرة، لم تَعُد وحدها كافية لردمِ الفجوات وتفكيك الأزمات التي تمسُّ جوهر الوجود الوطني.
وهنا تحديدًا يبرز السؤال الذي نتجاهله كثيرًا: ماذا لو كنَّا نبحث عن الحلِّ في المكان الخطأ؟ ماذا لو كان المحرك الاستراتيجي الحقيقي لبناء السلام وإعادة بناء الثقة بين الشعوب يكمن في مساحة نكتفي غالبًا بالتعامل معها كقشرة جماليَّة، وهي الثقافة والتراث؟.
لقد انقضى العصر الذي كان يُنظر فيه إلى النشاط الثقافي كفعل هامشي أو ملحق ترفيهي يُزين حواشي الأجندات السياسيَّة، اليوم، تصعد الثقافة لتكون في قلب الحوكمة العالميَّة ومحورًا رئيسًا يصوغ معالم العلاقات بين الأُمم. فمن الملفات الأخلاقيَّة المعقَّدة الخاصَّة بإعادة الممتلكات الثقافيَّة والآثار إلى بيئاتها الأصليَّة، إلى التحالفات المتحفيَّة العابرة للحدود، وصولًا إلى دبلوماسيَّة الأرشيف وتوظيف التراث المادِّي وغير المادِّي في صياغة الهُوِيَّات؛ لم تَعُدِ الفنون والتراث تفاصيل ناعمة على هامش الجيوسياسيَّة، بل أصبحت من أكثر الميادين حساسيَّة وتأثيرًا في تشكيل عالم الغد.
لكن خطورة الطرح الراهن تكمن في محاولة الاختزال. إنَّ اختزال الدبلوماسيَّة الثقافيَّة في مجرَّد تسويق «الصورة الوطنيَّة» أو ممارسة أشكال تبسيطيَّة من «القوَّة الناعمة» ينمُّ عن قراءة قاصرة وعابرة لعُمقِ المشهد. إنَّ الثقافة في حقيقتها هي «مال عام عالمي»، ومساحة مشتركة للحوار الإنساني المتكافئ. وعبر التاريخ، عندما كانت تتوقف لُغة السياسيين وتُغلق الأبواب بقرارات سياديَّة، كان التبادل الثقافي ودبلوماسيَّة التراث هما القناة الأخيرة التي تُبقي الجسور قائمة وتمنع القطيعة الكليَّة بين المُجتمعات.
هذه الرؤية ليست مجرَّد نظريَّة تُناقش في المؤتمرات، بل هي واقع عملي تتجلى ملامحه بوضوح في النُّموذج العُماني؛ وهو نموذج لم يتعامل يومًا مع الدبلوماسيَّة الثقافيَّة كأداة للدعاية السياسيَّة، بل كمنهج أصيل واستراتيجيَّة متجذِّرة لترسيخ السَّلام والاستقرار.
يتجلى ذلك في المبادرات والخِطاب الرَّصين الذي صدح به حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ في منظَّمة اليونسكو في زيارته الأخيرة للجمهوريَّة الفرنسيَّة؛ حيث وضع النقاط على الحروف متجاوزًا لُغة المداراة الدبلوماسيَّة ليعلن بوضوح أن الثقافة، والتعليم، وحفظ التراث الإنساني ليست مجرَّد شواهد صامتة على الماضي، بل هي الركائز الحقيقيَّة التي يُبنى عليها حوار الحضارات، والتفاهم، والعيش المشترك بين الشعوب. لقد أرستْ هذه الرؤية قناعة مفادها أن الاستثمار في رأس المال الثقافي هو في جوهره استثمار مباشر في صون الكرامة الإنسانيَّة والوطنيَّة وحماية مستقبل الأجيال القادمة.
والأهم من الخِطاب هو الممارسة الميدانيَّة التي تجعل من هذه الرؤية واقعًا ملموسًا. ينعكس ذلك بوضوح في الامتداد الحضاري الذي تقوده عُمان في منطقة شرق إفريقيا بشكل خاص. فهناك، لا تتوقف الجهود عند حدود استحضار الذاكرة التاريخيَّة الممتدة عبر المحيط الهندي، بل تتجسد في مشروعات ميدانيَّة ضخمة لترميم المعالم التاريخيَّة، وصيانة المخطوطات، وتأهيل وتدريب الكوادر المحليَّة في علوم المتاحف وإدارة التراث. إنَّنا أمام نموذج متقدم يمكن تسميته بـ(دبلوماسيَّة التراث الشريك)؛ وهي دبلوماسيَّة لا تفرض وصاية ولا تُملي سرديَّة أحاديَّة، بل تُمكِّن المُجتمعات المحليَّة وتساعدها على امتلاك أدوات حماية موروثها وصيانتها بنفسها.
إنَّ نجاح هذه التجارب يضعنا جميعًا أمام مسؤوليَّة أخلاقيَّة ومعرفيَّة، تتطلب منَّا إعادة النظر في طريقة إدارة مؤسَّساتنا وثقافتنا. إنَّ الدبلوماسيَّة الثقافيَّة التي يحتاجها عالمنا اليوم تتطلب الشجاعة لتجاوز المبادرات الموسميَّة نحو بناء سياسات عمليَّة مستدامة: سياسات تضمن حُريَّة تنقل الخبرات والأفكار بين القائمين على إدارة التراث، وتدعم حماية المحتوى المحلِّي من الذوبان في عصر الهيمنة الرقميَّة، وتُرسِّخ الصياغة المشتركة للسرديَّات التاريخيَّة على أساس من الأخلاقيَّات والعدالة المعرفيَّة.
في النهاية، يجب أن ندرك جميعًا أن الدبلوماسيَّة الثقافيَّة ليست رفاهيَّة ترفيهيَّة نلجأ إليها في أوقات الرخاء والاستقرار، كما أنها ليست مجرَّد مساحيق تجميل سياسي تُستغل في المحافل الدوليَّة، إنَّها ضرورة استراتيجيَّة وأداة حتميَّة لحوكمة المستقبل، وفي عالم يزداد استقطابًا وتشرذمًا يومًا بعد يوم، يظلُّ الاستثمار الواعي في التراث، ودعم الاقتصاد الإبداعي، وصون الذاكرة الشفهيَّة والماديَّة، هو الفعل الأثرى والأعمق لتأسيس أرضيَّة صلبة لسلام دائم. لقد حان الوقت كي يستوعب صنَّاع القرار أن الثقافة هي اللسان العالمي الأخير القادر على تحويل صدمات الجغرافيا والتاريخ إلى حوار حقيقي يضمن هُوِيَّة الأطراف المختلفة ويصنع المستقبل.
فراس بن عبدالله التوبي
كاتب عُماني