يُمَثِّلُ تسليم سلطنة عُمان تقرير المساهمات المحدَّدة وطنيًّا الثالث إلى أمانة اتفاقيَّة الأُمم المُتَّحدة الإطاريَّة بشأن تغيُّر المناخ خطوةً مهمَّة في مسار العمل المناخي الوطني؛ فالتقرير يضع أهداف السَّلطنة وإجراءاتها حتى عام (2035)م ضمن وثيقة واضحة تستند إلى بيانات محليَّة ودراسات فنيَّة، وترتبط بمستهدفات رؤية «عُمان 2040» والوصول إلى الحياد الصفري بحلول عام (2050)م، وقد اعتمدت المساهمات الجديدة عام (2024)م سنةَ أساسٍ، بعد أن بلغ إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة نحو (93.6) مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يوفِّر نقطةً مرجعيَّةً دقيقة لقياس التقدُّم خلال السنوات المقبلة، وتكتسب هذه الخطوة قِيمتها من قدرتها على نقل الالتزامات المناخيَّة إلى خطط تنفيذيَّة قابلة للمتابعة، تتوزع مسؤوليَّاتها بين الجهات المعنيَّة وفق اختصاص كل منها، وتخضع نتائجها للتقييم المستمر؛ فالأهداف البيئيَّة تحتاج إلى مؤشِّرات واضحة، وبرامج زمنيَّة، وتمويل محدَّد، حتى تصبح جزءًا أصيلًا من عمليَّة التخطيط الاقتصادي وإدارة الموارد الوطنيَّة.
ولعلَّ هدف خفض الانبعاثات بنسبة تصل إلى (33) بالمئة بحلول عام (2035)م يكشف عن حجم الطموح الذي تتبنَّاه السَّلطنة؛ إذ يشمل خفضًا غير مشروط بنسبة (7) بالمئة، إلى جانب (26) بالمئة ترتبط بتوافر التمويل والدَّعم الفنِّي ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات، وتلك النِّسب توضح حجم المسؤوليَّة التي تتحملها عُمان بإمكاناتها الوطنيَّة. كما تضع المُجتمع الدولي أمام واجبه في دعم الدول التي تعمل على تطوير اقتصاداتها والوفاء بالتزاماتها المناخيَّة في الوقت نفسه، وتفتح إجراءات الخفض فرصًا واسعة أمام الاستثمارات في الطاقة المُتجدِّدة والهيدروجين الأخضر وكفاءة الطاقة والاقتصاد الدائري وتقنيَّات احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه، إلى جانب أنَّها تمنح الصناعة العُمانيَّة فرصة لتحديث عمليَّاتها وتقليل استهلاك الموارد ورفع قدرتها على المنافسة في الأسواق التي أصبحت البصمة الكربونيَّة فيها عنصرًا مؤثرًا في قرارات التجارة والاستثمار، ويحتاج التحوُّل إلى توسيع مشاركة القطاع الخاص، وربط المشروعات الخضراء بالمحتوى المحلِّي والمؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة والبحث العلمي، حتى تتحول السياسة المناخيَّة إلى نشاط اقتصادي يولد الوظائف والمعرفة والقِيمة المضافة. وتحظى جهود التكيُّف بأهميَّة توازي خفض الانبعاثات؛ نظرًا لِمَا تواجهه السَّلطنة من أعاصير وفيضانات وموجات حرارة وجفاف وارتفاع محتمل في مستوى سطح البحر، وقد أثبتت التجارب أنَّ الظواهر المناخيَّة المتطرفة تستطيع ـ خلال ساعات ـ إلحاق أضرار كبيرة بالمساكن والطُّرق وشبكات الكهرباء والمياه والأنشطة الاقتصاديَّة؛ ولهذا يصبح الاستثمار في الوقاية ضرورة تنمويَّة تحمي المُجتمع وتقلِّل تكلفة الخسائر المستقبليَّة. ويحدِّد التقرير قطاعات المياه والزراعة والثروة السمكيَّة والموارد البحريَّة والصحَّة العامَّة والسياحة والبنية الأساسيَّة والمناطق الحضريَّة ضمن الأولويَّات الوطنيَّة، وهي قطاعات تمسُّ حياة السكان وأمنهم الغذائي والمائي ومصادر دخلهم، ومن هنا تأتي الحاجة إلى إدخال المخاطر المناخيَّة في تصميم المُدن والطُّرق والمنشآت الساحليَّة والمشروعات السياحيَّة، ورفع كفاءة شبكات التصريف، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وإعداد خرائط دقيقة للمناطق الأكثر تعرضًا، كما يتطلب الأمر خططًا تتناسب مع خصائص المحافظات؛ لأنَّ طبيعة المخاطر في المناطق الساحليَّة تختلف عن التحدِّيات التي تواجه القُرى الزراعيَّة والبيئات الصحراويَّة.
إنَّ إعداد التقرير بالتنسيق بين الجهات الحكوميَّة والخاصَّة والمؤسَّسات المعنيَّة يظهر وعيًا بأنَّ العمل المناخي مسؤوليَّة وطنيَّة مشتركة، وأنَّ جودة النتائج تبدأ من دقَّة المعلومات ووضوح الأدوار، وتُسهم الشفافيَّة في تعزيز ثقة المستثمرين والمؤسَّسات الدوليَّة، كما تساعد على استقطاب التمويل المناخي وتوجيهه نحو مشروعات تمتلك جدوى اقتصاديَّة وبيئيَّة قابلة للقياس، ويمكن أن يُشَكِّلَ التقرير قاعدة لإعداد خريطة استثماريَّة تشمل الطاقة والمياه والنفايات والنقل والصناعة وحماية السواحل، مع تحديد المشروعات الجاهزة للتنفيذ واحتياجاتها الماليَّة والتقنيَّة، وتُؤَكِّدُ سلطنة عُمان من خلال هذه المساهمات حضورها المسؤول في الجهود الدوليَّة لمواجهة تغيُّر المناخ، وتقدم رؤية تجمع بين حماية الإنسان وصون الموارد وتطوير الاقتصاد، وسيظهر النجاح الحقيقي في مقدار الانبعاثات التي جرى خفضها، والبنية الأساسيَّة التي أصبحت أكثر قدرة على الصمود، والاستثمارات الخضراء التي تحولت إلى مشروعات منتجة، والفرص التي وصلت إلى الكفاءات والمؤسَّسات الوطنيَّة، فالمستقبل المناخي الآمن تصنعه القرارات التي تُتخذ اليوم، وتثبت قِيمتها نتائج ملموسة تحفظ حق الأجيال القادمة في التنمية والحياة الكريمة.