يقولون في لُغة الاقتصاد إنَّه من الممكن أن تختلف القراءات، أمَّا الشيء الأكيد فهو أن الأرقام لا تكذب؛ فهي اللُّغة التي تُقاس بها الإنجازات وتُبنى عليها القرارات، أو كما يقولون إن الأرقام دائمًا هي الحكم. وفي لُغة الأرقام، تابعنا مع بداية الأسبوع أنه تم طرح (60) مناقصة حكوميَّة بقِيمة تقديريَّة تبلغ (365) مليون ريال عُماني خلال الأشهر السبعة الأولى من عام (2026)م من قبل هيئة المشاريع والمناقصات والمحتوى المحلِّي، وهو مؤشِّر اقتصادي مهمٌّ يعكس استمرار الحكومة في تنفيذ برامجها التنمويَّة، وتعزيز دور القطاع الخاص، وترسيخ سياسات المحتوى المحلِّي التي تُعَدُّ أحَد المرتكزات الرئيسة لتحقيق مستهدفات رؤية «عُمان 2040»؛ لِمَا يُمَثِّله ذلك من تحفيز النشاط الاقتصادي، حيث يُشَكِّل الإنفاق الحكومي عبر المناقصات أحَد أهمِّ محركات النُّمو الاقتصادي؛ إذ يؤدي ضخ (365) مليون ريال عماني في الأسواق إلى تنشيط العديد من القطاعات الاقتصاديَّة، وفي مقدِّمتها قطاع الإنشاءات والبنية الأساسيَّة، الخدمات الهندسيَّة والاستشاريَّة، والنقل والخدمات اللوجستيَّة، والصناعات التحويليَّة ومواد البناء، وتقنيَّة المعلومات والخدمات الرقميَّة، ولا يقتصر الأثر الاقتصادي على قِيمة العقود نفسها، بل يمتد إلى الشركات المورِّدة والمقاولين من الباطن، ممَّا يضاعف القِيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.
كما تعكس المناقصات الحكوميَّة استمرار الدولة في تمكين القطاع الخاص ليكون الشريك الرئيس في تنفيذ المشاريع التنمويَّة، وهو ما ينتج عنه رفع إيرادات الشركات الوطنيَّة مع تحسين التدفقات النقديَّة للمؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى زيادة الاستثمارات في المعدَّات والتقنيَّات الحديثة، مع تعزيز قدرة الشركات العُمانيَّة على المنافسة محليًّا وإقليميًّا، وهو ما يمنح العقود الحكوميَّة للشركات سجلًّا تنفيذيًّا يُعَزِّز فرصها في الفوز بمشروعات مستقبليَّة، ناهيك عن ربط المناقصات بسياسات المحتوى المحلِّي والتي تُمَثِّلُ أحَد أهمِّ التحوُّلات الاقتصاديَّة في سلطنة عُمان، حيث يزيد الاعتماد على المورِّدين والمصنِّعين المحلِّيين، ويرفع نسبة المشتريات من المنتجات الوطنيَّة، مع تشجيع نقل المعرفة والتكنولوجيا، والتي تؤدي في النهاية إلى تطوير الصناعات الوطنيَّة المرتبطة بالمشروعات الحكوميَّة، مع تقليل الاعتماد على الواردات بما يدعم الميزان التجاري، ويؤدي إلى بقاء نسبة أكبر من الإنفاق الحكومي داخل الاقتصاد الوطني، وهو ما يضاعف الأثر التنموي، وكذلك عن طريق هذه المناقصات يتمُّ توفير آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، سواء خلال مراحل التصميم أو التنفيذ أو التشغيل والصيانة، وزيادة الطلب على الخدمات المساندة، وهذا يتماشى مع مستهدفات التوظيف والتنمية البشريَّة في رؤية «عُمان 2040»، مع تعزيز ثقة المستثمرين؛ لأن ارتفاع عدد المناقصات المطروحة يعكس استمرار تنفيذ الخطط الحكوميَّة وعدم تباطؤ الإنفاق الرأسمالي، وهو ما يرسل رسائل إيجابيَّة للمستثمرين المحلِّيين.
كل هذه المفردات التي تتبع طرح المناقصات ينتج عنها أثَرٌ مضاعف داخل الاقتصاد؛ إذ تنتقل الأموال من الجهات الحكوميَّة إلى الشركات المنفِّذة، ثم إلى العاملين والمورِّدين، لتعود مرَّة أخرى إلى الأسواق عبر الاستهلاك والاستثمار. وبالتَّالي، تزداد السيولة؛ وقد تابعنا الإعلان عن ارتفاع إجمالي السيولة المحليَّة في سلطنة عُمان بنهاية يوليو بنسبة (12.7) بالمئة، ليبلغ أكثر من (28) مليار ريال عُماني، مقارنةً بأكثر من (25) مليارًا خلال الفترة المماثلة من العام الماضي. كما أن مثل هذه المناقصات تسهم في زيادة الإيرادات الضريبيَّة والرسوم الحكوميَّة بصورة غير مباشرة، وكلها انعكاسات استراتيجيَّة على مستهدفات رؤية «عُمان 2040»: تعزيز تنافسيَّة الاقتصاد الوطني، وتمكين القطاع الخاص ليقود النُّمو الاقتصادي، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي، وتعزيز المحتوى المحلِّي وسلاسل القِيمة الوطنيَّة، وتنمية المحافظات والولايات عبر تنفيذ مشاريع تنمويَّة متنوعة.
إنَّ طرح (60) مناقصة حكوميَّة بقِيمة تقديريَّة تبلغ (365) مليون ريال عُماني خلال الأشهر السبعة الأولى من عام (2026)م لا يُمَثِّل مجرَّد إنفاق حكومي، بل يُعَدُّ استثمارًا اقتصاديًّا ذا أثر مضاعف ينعكس على النُّمو، والتوظيف، وتحفيز القطاع الخاص، وتعزيز المحتوى المحلِّي، ورفع تنافسيَّة الاقتصاد العُماني، كما يُؤَكِّدُ استمرار الحكومة في تنفيذ مشاريعها التنمويَّة وفق نهج يوازن بين كفاءة الإنفاق وتحقيق التنمية المستدامة، بما يدعم مسار التنويع الاقتصادي ويُعَزِّزُ قدرة سلطنة عُمان على تحقيق مستهدفات رؤية «عُمان 2040».
جودة مرسي
من أسرة تحرير «الوطن»