الخميس 20 أغسطس 2026 م - 7 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

المركز ينتقل جنوبا

المركز ينتقل جنوبا
الأربعاء - 05 أغسطس 2026 05:00 م

د.أحمد مصطفى أحمد

20

لعقودٍ طويلة، حتى قبل الحربين العالميتين في النصف الأول من القرن الماضي، كانت أوروبا هي مركز العالم. ويقاس الوضع، الجغرافي والسياسي وحتى التاريخي والحضاري، لبقيَّة أنحاء العالم استنادًا إلى مركزيَّة أوروبا. فخلال فترة التوسُّع الاستعماري في آسيا وإفريقيا والأميركيتين في القرن التاسع عشر أصبحت كل تلك المستعمرات الواسعة هوامش للمركز الأوروبي الذي مَثَّلَ «مقر القيادة» للقوى الاستعماريَّة العالميَّة، ثم كانت أوروبا في الحربين العالميتين ساحة الصراع الأهم ودولها هي أطراف تلك الحروب الأساسيَّة، وخلال الحرب الباردة كانت أوروبا نقطة الوسط بين القوَّتين العالميتين: الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المُتَّحدة، بل إن القارَّة كانت شِبه مقسومة بين شرق ضمن المعسكر الاشتراكي وغرب ضمن المعسكر الرأسمالي في إطار التقسيم السابق للعالم، بعد الحرب العالميَّة الثانية حين أصبحت أميركا القوَّة المهيمنة التي تقود العالم الغربي كله ظلَّت أوروبا ينظر إليها على أنها المركز حتى من قِبل الأميركيين.

أتذكر في القرن الماضي كان أثرياء أميركا يرسلون أبناءهم وبناتهم إلى جامعات أوروبيَّة مثل أوكسفورد وكامبريدج في بريطانيا والسوربون في فرنسا رغم وجود جامعات أميركيَّة تحتل مكانة عالميَّة مرموقة من هارفارد إلى ييل وجورج تاون. كما كانت البيروقراطيَّة الأوروبيَّة، أو «المؤسَّسة» كما يسمِّيها البعض، البيئة الأفضل للتأهيل. أذكر أيضًا أن الأميركيين كانوا يرسلون القيادات الوسيطة في الوزارات والإدارات الحكوميَّة لمدَّة عام أو عامين إلى بريطانيا وغيرها قبل ترقيتهم للمناصب العُليا. كانت فترة «الانتداب» تلك بمثابة تدريب تأهيلي وإن لم تكُن بالضرورة في مصالح حكوميَّة إنما في مراكز البحوث والدراسات ودعم اتخاذ القرار، لكنَّها فترة خبرة إضافيَّة في «المركز» خصوصًا لموظفي وزارة الخارجيَّة وأمثالها.

حاولت أوروبا في القرن الماضي الحفاظ على وضع مركز العالم بتعزيز تعاونها عبر الاتحاد الأوروبي ومؤسَّساته. ومع مطلع القرن الحالي توسَّع الاتحاد الأوروبي، الذي اقتصر في البداية على دول أوروبا الغربيَّة، ليضمَّ دول أوروبا الوسطى وبعض الشرقيَّة، لكن ذلك الاتحاد، الذي غلب عليه الجانب الاقتصادي أكثر من غيره، لم يستطع إيقاف التحوُّل الذي حدث في العالم منذ نهاية القرن الماضي بعد انتهاء الحرب الباردة وانفراد أميركا بوضع القوَّة العظمى الوحيدة. المفارقة أن الصعود الأميركي منذ ما بعد الحرب العالميَّة الثانية، ثم تفردها بالعالم بعد نهاية الحرب العالميَّة الثانية وأكثر بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي لم يجعلها مركز العالم. وكل ما حدَث في الواقع هو تدهور مكانة أوروبا وفقدانها تدريجيًّا وضع «المركز»، بدا ذلك واضحًا أكثر مع بروز قوَّة الصين، ليس اقتصاديًّا فحسب إنما أيضًا عسكريًّا وتكنولوجيًّا وفي ارتياد الفضاء وغير ذلك، صحيح أن الصين لم تصبح طرف قوَّة موازيًا لأميركا في نظام عالمي ثنائي القطبيَّة لكن صعودها، ومعها قوى صاعدة أخرى من الهند إلى البرازيل، رسم خطوطًا جديدة للعالم لا تنطلق من المركز الأوروبي، فكيف تتقاطع تلك الخطوط وهل تؤدي إلى بروز مركز جديد؟.

من الصعب الإجابة على هذا السؤال بشكل قاطع، ذلك لأن إجابته مرتبطة بما إذا كان العالم عبر المرحلة الانتقاليَّة ما بين نظام عالمي انتهى ونظام عالمي جديد. والواقع أن تلك المرحلة الانتقاليَّة ما زالت مستمرة منذ نهاية ثمانينيَّات القرن الماضي حتى الآن. والواضح أن النظام القديم انتهى دون أن يحلَّ محلَّه نظام جديد، وهكذا تراجع المركز التقليدي القديم دون بروز مركز جديد. ربَّما يرى البعض أن منطقتنا تكاد تكون مركز النظام الجديد، وذلك استنادًا إلى صراعات الجميع فيها من القوى التقليديَّة القديمة إلى القوى الجديدة الصاعدة. لكن من المُهمِّ تذكر أنه خلال الحرب الباردة كانت منطقتنا أيضًا ساحة صراع القوَّتين العظميين، والقوى الأخرى في ذلك الوقت. بالتالي ليست كل هذه التطورات في المنطقة عوامل تجعلها المركز، حتى غناها بالموارد الطبيعيَّة التي تُمَثِّلُ استهدافًا للمتنافسين في العالم وكونها سوقًا اقتصاديَّة كبيرة وواعدة ليس كافيًا، إلَّا أن كل ذلك لا يعني أن المركز لم يَعُدْ في شمال العالم وربَّما ينتقل جنوبًا، ليس بالمعنى الجغرافي الصارم وإنما حسب تقسيم الشمال والجنوب في الذي نظر له المفكر الراحل سمير أمين، حتى وإن لم يتضح بعد أيُّ موقع في الجنوب العالمي يُمَثِّلُ المركز الجديد الصاعد، فإن أوروبا فقدت مكانتها كمركز.

رغم أن أميركا لديها أكبر قوَّة عسكريَّة في العالم وأكبر اقتصاد في العالم، ولها نفوذ سياسي واسع في العلاقات الدوليَّة، إلَّا أنها لم تصبح مركزًا، حتى مع تراجع مكانة أوروبا. ربَّما ذلك للارتباط العضوي بين قوَّة أميركا وكونها «قائدة» العالم الغربي بمكانة ودور أوروبا، ومع أن أوروبا تعتمد على القوَّة العسكريَّة الأميركيَّة لحمايتها حتى الآن، إلَّا أن ذلك أيضًا لا يعني انتقال المركز من أوروبا إلى أميركا، هناك روافد كثيرة تجعل من منطقة أو كتلة أو حتى دولة مركز العالم، من بينها أن ينظر العالم إليها على أنها كذلك ويتعامل معها باعتباره «أطرافًا» لذلك المركز، وهذا ما رسَّخته أوروبا على مدى قرون منذ عصر النهضة ولم ترسِّخه أميركا رغم قوَّتها العسكريَّة والاقتصاديَّة.

د.أحمد مصطفى أحمد

كاتب صحفي مصري

[email protected]