الثلاثاء 04 أغسطس 2026 م - 20 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

رحاب : حين يصنع الإنسان المكان من مغارة موسى إلى وادي صواع

رحاب : حين يصنع الإنسان المكان من مغارة موسى إلى وادي صواع
الثلاثاء - 04 أغسطس 2026 05:04 م

د ـ أحمد بن علي المعشني

150

ليست الطبيعة وحدها هي التي تصنع جمال الأماكن، وإنما الإنسان حين يؤمن بالمكان، ويكتشف ما يختبئ فيه من إمكانات، ثم يحوله بالصبر والإرادة إلى مَعْلم نابض بالحياة.

فالجبال والوديان والكهوف والأشجار موجودة في بقاع كثيرة من العالم، لكن القليل منها يتحول إلى وجهات يقصدها الناس؛ لأن هناك من رأى فيها ما لم يره الآخرون، وآمن بأن المكان يمكن أن يصنع مستقبلًا.

هذا ما خطر ببالي وأنا أتجول في مغارة موسى ببلودان في ريف دمشق.

لم أرَ مجرد مغارة منحوتة في الصخر، بل رأيت قصة إنسان استطاع، بإصراره ورؤيته، أن يُحوِّل مكانًا طبيعيًّا إلى مقصد سياحي يقصده الزوار من داخل سوريا وخارجها.

لقد كانت المبادرة فردية، ثم أصبحت مشروعًا يخدم المجتمع، وينعش الاقتصاد المحلي، ويحفظ التراث، ويمنح المكان حياة جديدة.

وأنا أغادر المغارة، تساءلت: كم من المواقع الطبيعية في وطننا العربي تمتلك من الجمال ما يفوق الوصف، لكنها لا تزال تنتظر من يكتشفها، ويؤمن بها، ويمنحها فرصة لتنهض؟ عندها حضرت في ذهني صورة وادي صواع، شمال غرب عقبة قفطوت بمحافظة ظفار، ذلك الوادي الذي يجمع بين أشجار اللبان، والكهوف الطبيعية، والممرات الجبلية، ويحمل في ذاكرته قصة رجل من أبناء المنطقة، هو المرحوم بخيت المهر، الذي كتب بإرادته واحدة من أجمل قصص الكفاح التي تستحق أن تروى.

تروي الروايات الشفوية أن بخيت كان يرعى إبل بعض أقربائه، وكان يشعر بأنه واحد من أهل تلك الإبل، يكد في رعايتها ويعيش معها يومه كله.

وفي أحد الأيام قدم ضيوف إلى القبيلة، وكما جرت العادة عند أصحاب الإبل في ظفار، وُزِّع الضيوف على الأسر لاستضافتهم.

وفوجئ بخيت بأنه كان ضمن الضيوف الذين وزعوا على إحدى الأسر لتناول الحليب.

استغرب بخيت وقال: أنا من أصحاب هذه الإبل.

لكن الرد جاء من ابن عمه حاسمًا ومؤلمًا: (أنت لا تملك هنا شيئًا، وإنما أنت مثل هؤلاء الضيوف).

كانت كلمات قليلة، لكنها تركت في نفسه جرحًا عميقًا.

عاد تلك الليلة مثقلًا بالألم، ولم يكد يطلع الفجر حتى اتخذ القرار الذي غيَّر حياته.

ترك رعي الإبل، وخرج يبحث عن طريق يبني فيه مستقبله بعرق جبينه، ويستعيد كرامته بعمله.

اختار وادي صواع، حيث تنتشر أشجار اللبان وتكثر الكهوف الطبيعية. وهناك بدأ يجمع اللبان موسمًا بعد موسم، ويخزنه داخل الكهوف حتى امتلأت بما جمعه.

وبعد نحو عامين أصبح لديه مخزون كبير من اللبان، لكنه واجه تحديًا جديدًا؛ فلم تكن هناك ممرات تستطيع الجمال أن تسلكها للوصول إلى تلك الكهوف.

ولم ينتظر مَن يشق له الطريق، بل حمل أدواته، وبدأ بنفسه يفتح الممرات بين الصخور، حتى أصبحت سالكة.

ثم استأجر اثني عشر جملًا، كما يروي كبار السن، ونقل محصوله إلى صلالة، وباعه، واشترى بثمنه قطيعًا كبيرًا من الإبل.

وذات يوم شاهد الناس قطيعًا ضخمًا من الإبل يقترب، فأخذوا يتساءلون: لمن هذه الإبل؟ وما إن اقترب صاحبها حتى عرفوه… إنه بخيت المهر.

عاد هذه المرة مالكًا للإبل، لا راعيًا لها.

ولم يكن انتصاره على أقربائه، وإنما كان انتصارًا على الانكسار، وعلى الإحساس بالعجز، وانتصارًا لقيمة العمل التي تصنع للإنسان مكانته.

لقد أثبت أن الكرامة لا تُمنح، وإنما تُبنى بالاجتهاد والإصرار.

إن هذه القصة ليست مجرد ذكرى من الماضي، بل مشروع للمستقبل.

فوادي صواع يمتلك من المقومات الطبيعية والتراثية ما يجعله واحدًا من أجمل المواقع السياحية في سلطنة عمان.

أشجار اللبان، والكهوف، والممرات الجبلية، والسردية الإنسانية الملهمة، كلها عناصر تؤهله ليكون متحفًا طبيعيًّا مفتوحًا.

ومن هنا، فإن إعادة إحياء الوادي ليست ترفًا سياحيًّا، بل مشروع تنموي متكامل.

يمكن إعادة تأهيل الممرات الجبلية، والمحافظة على الكهوف، وإنشاء مسارات للمشي، وإحياء تجربة تخزين اللبان داخل الكهوف كما كانت قديمًا، وإنشاء مركز صغير يروي قصة بخيت المهر وتاريخ تجارة اللبان، بحيث يعيش الزائر تجربة تاريخية متكاملة، لا مجرد زيارة لموقع طبيعي.

وسوف يُسهم مثل هذا المشروع في توفير فرص عمل لأبناء المنطقة، وتشجيع المؤسسات الصغيرة، وتنشيط الصناعات المرتبطة باللبان، وتعزيز السياحة البيئية والثقافية في محافظة ظفار.

لقد علمتني مغارة موسى أن إنسانًا واحدًا يستطيع أن يغيِّر مصير مكان بأكمله.

كما علمتني قصة بخيت المهر أن جرح الكرامة قد يتحول إلى طاقة هائلة للبناء والإبداع إذا وُجِّه في الطريق الصحيح.

ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه اليوم لوادي صواع هو أن نعيد إليه الحياة، لا بوصفه واديًا جميلًا فحسب، بل بوصفه شاهدًا على قصة إنسان انتصر على ظروفه، وجعل من الإرادة طريقًا إلى النجاح.

فالأماكن لا يصنعها الحجر وحده، وإنما يصنعها الإنسان… وحين يؤمن الإنسان بالمكان، يمنحه حياة تمتد عبر الأجيال.

د.أحمد بن علي المعشني

رئيس أكاديمية النجاح للتنمية البشرية