في الوقت الذي تتسارع فيه التحدِّيات البيئيَّة، وتبحث فيه الأُمم عن حلول أكثر استدامة لإدارة مواردها، تبرز بعض المبادرات التي لا تبدو في بدايتها سوى تجارب محدودة، لكنَّها تحمل في جوهرها ملامح تحوُّلات كبرى. ومن بين هذه المبادرات يطلُّ مشروع زراعة نبات (الكاميلينا) في سلطنة عُمان؛ لِيُقدِّمَ نموذجًا جديدًا لكيفيَّة تحويل الموارد المتاحة إلى فرص تنمويَّة تخدم الإنسان والبيئة والاقتصاد.
لا شك أن هذا المشروع التجريبي، الذي تنفِّذه نماء لخدمات المياه بالشراكة مع شركة هيما للطاقة لزراعة (الكاميلينا) باستخدام المياه المُجدَّدة، لا يُمثِّلُ مجرَّد تجربة زراعيَّة، لكنَّه يعكس توجُّهًا نحو بناء علاقة أكثر توازنًا مع الموارد؛ حيث لا يتمُّ النظر إلى المياه المُجدَّدة باعتبارها ناتجًا ثانويًّا، وإنَّما مورد استراتيجيّ يمكن أن يُسهم في دعم قطاعات حيويَّة مثل: الزراعة والطاقة.
إنَّ (الكاميلينا)، أو ما يُعرف بـ(الذهب الأخضر) في بعض الأوساط الزراعيَّة، هو نبات زيتي ينتمي إلى الفصيلة الصليبيَّة، وهو محصول قديم عرفته مناطق من أوروبا وآسيا منذ قرون، قبل أن يعود إلى الواجهة حديثًا بوصفه أحَد المحاصيل الواعدة في مجال الزراعة المستدامة وإنتاج الوقود الحيوي؛ حيث تتميَّز (الكاميلينا) بقدرتها على النُّمو في ظروف بيئيَّة مختلفة، وباحتياجها النِّسبي المحدود للمياه مقارنةً ببعض المحاصيل الزيتيَّة الأخرى، كما أن بذورها غنيَّة بالزيوت التي يمكن استخدامها في إنتاج الوقود الحيوي، إضافةً إلى استخداماتها في مجالات أخرى مثل: الصناعات الغذائيَّة وبعض التطبيقات الصناعيَّة، وهذه الخصائص جعلت منه محصولًا يحظى باهتمام عالمي متزايد، خصوصًا مع ارتفاع الحاجة إلى بدائل للطاقة التقليديَّة، والسَّعي إلى تقليل الانبعاثات الكربونيَّة المرتبطة باستخدام الوقود الأحفوري.
إن أهميَّة هذا المشروع العُماني العظيم تكمن في أنه لا يركِّز فقط على زراعة نبات جديد، بل يُقدِّم رؤية متكاملةً لإدارة الموارد، فإعادة استخدام المياه المُجدَّدة في الزراعة تُمثِّلُ أحَد المسارات المهمَّة لتعزيز الأمن المائي، خصوصًا في البيئات التي تواجه تحدِّيات ندرة المياه، وتحويل المياه المُجدَّدة إلى عنصر منتج في دورة التنمية يعني الانتقال من مفهوم الاستهلاك إلى مفهوم الاستدامة؛ فالمياه التي كانت تُعاد معالجتها يمكن أن تصبح جزءًا من سلسلة إنتاج تُسهم في توفير محاصيل جديدة، ودعم البحث العلمي، وتوفير فرص اقتصاديَّة.
وهنا تظهر قِيمة (الكاميلينا)، فهو لا ينافس بالضرورة المحاصيل الغذائيَّة الأساسيَّة على الموارد، بل يمكن أن يكون خيارًا إضافيًّا ضمن منظومة زراعيَّة أكثر تنوّعًا ومرونةً، خصوصًا إذا أثبتت التجارب المحليَّة ملاءمته للظروف المناخيَّة في السلطنة.
إننا في عالم يبحث عن تقليل أثَره البيئي، فأصبح الوقود الحيوي أحَد الخيارات المطروحة ضمن مزيج الطاقة المستقبليَّة، وهنا يتميَّز زيت (الكاميلينا) باحتوائه على نسبة مرتفعة من الأحماض الدهنيَّة التي تجعله مناسبًا لإنتاج أنواع من الوقود الحيوي، ومنها وقود الطيران المستدام الذي يحظى باهتمام متزايد عالميًّا، إلَّا أن هذا لا يعني أن (الكاميلينا) سيحلُّ وحده تحدِّيات الطاقة، لكنَّه يُمثِّلُ قطعةً مهمَّة في لوحة أكبر من الحلول التي تعتمد على تنويع مصادر الطاقة وتقليل الانبعاثات، كما أن زراعته تُسهم في دراسة قدرته على عزل الكربون، وهو جانب مهمٌّ في مواجهة آثار التغيُّر المناخي؛ إذ يمكن للنباتات الزراعيَّة أن تؤدي دورًا في امتصاص جزء من ثاني أكسيد الكربون خلال دورة نُموها.
إنَّ القِيمة الحقيقيَّة للمشاريع التجريبيَّة تكمن في أنها لا تبحث فقط عن الإنتاج، بل عن المعرفة؛ فالمشروع يتيح دراسة إنتاجيَّة المحصول، وقياس أثَره البيئي، وتقييم جدواه الاقتصاديَّة، وهي خطوات ضروريَّة قبل الانتقال إلى مراحل التوسُّع، فالنجاح في مثل هذه المشاريع لا يُقاس فقط بكميَّة المحصول الناتج، وإنما بقدرة التجربة على بناء خبرات وطنيَّة، وتطوير تقنيَّات زراعيَّة مناسبة، وفتح مجالات جديدة أمام الباحثين وروَّاد الأعمال، وسلطنة عُمان، التي تمتلك تاريخًا طويلًا في التعامل مع البيئة والزراعة، تقدِّم اليوم نموذجًا يجمع بين أصالة المعرفة المحليَّة وأدوات المستقبل؛ حيث تصبح التقنيَّة وسيلةً لتعزيز علاقة الإنسان بمحيطه، لا لاستنزافه.
لا شك أن زراعة (الكاميلينا) في سلطنة عُمان تحمل رسالةً تتجاوز حدود الحقل الزراعي؛ فهي تعكس توجُّهًا نحو اقتصاد أكثر تنوّعًا واستدامةً، وأكثر وعيًا، واستثمار أكثر ذكاءً للموارد، لأنَّنا أمام بذرة صغيرة تُزرع في الأرض، وماء مُجدَّد يجد طريقه إلى دورة إنتاج جديدة؛ وهنا تَتَشَكَّلُ قصَّة أكبر عنوانها أن التنمية الحقيقيَّة هي التي تحفظ حقَّ الأجيال القادمة في الموارد، وتفتح في الوقت ذاته أبوابًا جديدةً للابتكار والعمل.
إنَّ الحلم الذي تحمله (الكاميلينا) أكبر من مجرَّد محصول زراعي أو مصدر محتمل للطاقة؛ إنه حلم بعلاقة أكثر انسجامًا بين الإنسان والطبيعة، فهذه النبتة تحمل في جذورها وأوراقها رسالة أمل نحو مستقبل أقل انبعاثًا، تُسهم فيه الابتكارات الخضراء في الاقتراب من هدف الحياد الصفري، وحماية المناخ، وصون موارد الأرض للأجيال القادمة، وبينما تنمو (الكاميلينا) في تربة عُمانيَّة، وتُروى بالمياه المُجدَّدة، فإنها تُجسِّدُ فكرة أن الحلول البيئيَّة قد تنبت من حيث لا نتوقع، وأن الحفاظ على الطبيعة لا يكون بالابتعاد عن التنمية، ولكن بجعل التنمية أكثر وعيًا ومسؤوليَّة. إنها بذرة تحمل وعدًا بأن يكون الغد أكثر خضرةً، وأن تتحول التحدِّيات البيئيَّة إلى فرص لصناعة مستقبل يتوازن فيه الإنسان مع محيطه.
ناصر بن سالم اليحمدي
كاتب عماني