لم تَعُدِ الإجازات في المشهد التنموي المعاصر مجرَّد فترات زمنيَّة تتوقف فيها الدراسة أو العمل، وإنَّما أصبحت مساحةً استراتيجيَّة لإدارة الوقت واستثمار الطاقات وإعادة تشكيل الوعي الجمعي بما يُعزِّزُ قدرة المُجتمع على التكيُّف مع المتغيِّرات المتسارعة؛ فطريقة استثمار الإجازة تعكس مستوى الوعي المُجتمعي، وتؤثِّر بصورة مباشرة في بناء الشخصيَّة، وترسيخ منظومة القِيَم، وتنمية مهارات التفكير والمسؤوليَّة والمبادرة، بما يجعل الإجازة فرصةً لصناعة الإنسان القادر على الموازنة بين الترفيه والتعلُّم، وبين الراحة والإنتاج، وبين المحافظة على الهُوِيَّة والانفتاح الواعي على العالم.
ومن هذا المنطلق، تتجاوز الإجازات بُعدها الزمني لِتصبحَ رافدًا من روافد التنمية الاجتماعيَّة والفكريَّة، وأداةً فاعلة في بناء مُجتمع أكثر وعيًا واستعدادًا للتعامل مع مختلف التحوُّلات والمتغيِّرات؛ فهي قِيمة مضافة في حياة الفرد والمُجتمع الأُسري والاجتماعي، وليست مجرَّد أيَّام راحة وقتيَّة أو استراحات قصيرة من ضغوطات العمل والدراسة، بل هي فضاءات تواصليَّة حقيقيَّة تُعيد للإنسان توازنه النفسي، وتمنحه مساحةً من السَّكِينة، وتُعِيد للأُسرة حميميَّتها، وتجسِّد روح التآلف في المُجتمع؛ حيث تُمثِّلُ فرصةً للاستجمام واللقاءات الجماعيَّة الأُسريَّة والعائليَّة، تقترب خلالها المشاعر، وتتفاعل معها الأرواح، وتستنطق فيها القِيَم، وتُستعاد فيها ذكريات الأجداد ومواقف الكبار وقِيَم الودِّ والرحمة التي تُشكِّلُ أساس البناء الأخلاقي للأُسرة، وعلى الرغم من أن هذه الإجازات قد تبدو قصيرةً زمنيًّا، فإن أثرها يفوق هذا الامتداد المحدود، وقِيمتها أعمق من أن تُقاس بساعات أو أيَّام؛ فهي تُعيد للإنسان دفء العلاقات وحميميَّة التواصل والترابط، وقِيمتها المضافة أكبر من أن تحصرها الأقلام، وفائدتها النوعيَّة أكثر من أن تصفَها الأفكار.
وانطلاقًا من القِيمة المتحققة من فصل الصَّيف وميزته التنافسيَّة، ومفاجآته المتنوعة، وخصوصيَّته التي تتطلب مزيدًا من التخطيط والتنظيم والتوجيه، كما تستدعي المسؤوليَّة المُجتمعيَّة والجاهزيَّة المؤسَّسيَّة في التعامل معها، وهي مسؤوليَّات تضع أبناء الوطن في أولويَّات الهدف وأجندة العمل، خصوصًا في المساحة النوعيَّة التي منحتها الإجازة الصَّيفيَّة للطلبة، والفرصة التي يُفترض أن تُعزِّزَ فيهم التغيير وهندسة السلوك الشخصي، في ظل استشعار أهميَّة استغلال هذه الفترة في بناء شخصيَّة الأبناء وتعزيز ارتباطهم بالهُوِيَّة الوطنيَّة وقِيَم المُجتمع، وتعظيم قِيمة السَّمْت العُماني في ظل ما تقدِّمه الإجازة الصَّيفيَّة من فرص نوعيَّة؛ فهو إحدى الفرص النوعيَّة التي أوجدتها الدولة في سبيل توجيه الشَّباب ورعايتهم وإعادة توجيه وضبط مسارهم في فترة الصَّيف؛ باعتباره مساحة أمان تستوعب الشَّباب والصغار تعليمًا وتدريبًا وتثقيفًا وتوجيهًا، وما يمكن أن يقدِّمه من مناشط وفعاليَّات ومحطَّات تعليميَّة وتثقيفيَّة وتوجيهيَّة واكتشاف للمواهب والقدرات، فرصةً لصناعة النماذج، وإنتاج القدوات، وبناء الاتجاهات الإيجابيَّة، وتشكيل الوعي الجمعي لديهم حول الكثير من القضايا المطروحة في عالمهم الواقعي والافتراضي على حدٍّ سواء، بما يضمن قدرتهم على التكيُّف مع طبيعة الظروف والمتغيِّرات والمستجدَّات والأحداث الفكريَّة والنفسيَّة والاجتماعيَّة والظواهر السلبيَّة التي قد تنشط في الصَّيف.
عليه، فإن قراءتنا لِدَوْر الإجازة الصَّيفيَّة، ومن خلال النظر إلى محتوى البرنامج الصَّيفي، تضعنا أمام جملة من الاعتبارات التي نعتقد بأنَّ جهات الاختصاص باتت توليها عنايتها، ولكنها بحاجة إلى مزيدٍ من التأطير والتقييم والمتابعة والرصد لنتائجها، وضمان قدرتها على صناعة التغيير وتحقيق الفارق، من حيث تأكيد مستوى الشراكة ووحدة الإنجاز المؤسَّسي في رسم صورة مكبرة لنموذج البرنامج الصَّيفي المطلوب، سعيًا نحو إيجاد صيف عُماني واحد، بعيدًا عن المُسمَّيات والتسميات التي تُعبِّر عن أيديولوجيَّة مؤسَّسيَّة في أحيان كثيرة، لِتصبحَ وحدة الهدف، مع تعدُّد المناشط وتكاملها، هي الغاية التي يجب أن تتوجَّه إليها جهود الجميع، وهو ما يطرح تساؤلًا حول علاقة هذا الكم الكبير من الجهد بما يُنجز على أرض الواقع، وما نصيب أبناء عُمان من كل هذه الجهود إذا ما قِسنا ذلك بالنتائج المتحصلة؟ ثم مدى وجود إطار عمل واضح للبرنامج الصَّيفي لاكتشاف المواهب واستدامة حضورها وتعظيم أثرها القادم في ميادين المنافسة، مدعومًا بالممكنات والأدوات المعززة؛ كونه مشروعًا وطنيًّا يستدعي وجود صيغة واضحة لعمله ومنهجيَّات مقنَّنة لأدائه، ومدى وجود مرجعيَّة وطنيَّة للبرنامج الصَّيفي توظف فيه كل المبادرات والمشاركات والدَّعم المقدَّم من القطاع الخاص ومن مؤسَّسات الدولة المختلفة، في ظل استراتيجيَّة وطنيَّة شاملة للبرنامج الصَّيفي تتعامل مع مختلف المجالات الحياتيَّة بشكلٍ متوازن؛ الدينيَّة، والترويحيَّة، والعلميَّة، والأمنيَّة، والقِيَميَّة، والفكريَّة، والثقافيَّة، والرياضيَّة، والتعليميَّة، والبيئيَّة.. وغيرها، لِتُشكِّلَ إطارًا مُقنّنًا لعمل وطني مشترك، تُقاس نتائجه وفق أدوات وآليَّات قياس ومؤشِّرات إنجاز وشروط محدَّدة تتناسب مع المتغيِّرات الحاصلة؛ ما يضع مستوى التنسيق وتكامل الأدوار وتفاعل الجهود من أجل عمل وطني مشترك في دائرة الاهتمام، فيصبح المسجد والمدرسة والنادي ومركز الوفاء الاجتماعي والجامعات والكليَّات والمعاهد ومراكز التدريب بالشركات والمؤسَّسات حاضنات فكريَّة وتدريبيَّة لأبناء عُمان في صيف عُمان.
إنَّ الوصول إلى جودة الممارسة التي تتمُّ في هيكليَّة البرنامج وخطَّة عمله يستدعي تعزيز مبدأ التنوع في المسارات وتعدُّدها، وتمكين المستهدفين من الاستفادة من المتاح من بيئات تعلُّم وحلقات وبرامج إثرائيَّة وتطويريَّة، والخروج من دائرة التنظير والمعلومات إلى بناء النماذج وتقديم الفرص وإتاحتها، في ظل استشراف لطبيعة المستهدفين من البرنامج والمستفيدين من أنشطته وبرامجه، بما يُسهم في تقوية جانب الميول المهنيَّة والشخصيَّة للملتحقين بهذه البرامج، مع مراعاة مستوى تناسب البرامج المقترحة مع الفئات والأعمار المستهدفة، وشموليَّتها للجنسين بصورة متكافئة، على أن يُراعى اختيارها وفق أُطر محدَّدة وضوابط مدروسة واستراتيجيَّات تعليم وتعلُّم متنوعة تعطي جانب التوعية والتثقيف والوعي والترفيه نصيبًا أكبر، وتعتمد على التعلُّم الذَّاتي وممارسة النشاط وفق الاختيار، مع وضوح آليَّات التَّوجيه والمتابعة والرَّصد والتقييم. وهي ممكنات نعتقد بأنَّها باتت في متناول اليد، ويمكن تحقيقها بدرجة كبيرة في ظل عمليَّات التشخيص والتحليل والمراجعة والتقييم التي مرَّت على النُّسخ السابقة للبرنامج الصَّيفي، وما تحتاجه اليوم هو مزيدٌ من التقييم والتنويع في المسارات وكفاءة الأدوات والابتكاريَّة فيها.
إنَّ من بين الأولويَّات التي نعتقد بأهميَّة أن يبرزها البرنامج الصَّيفي، في ظل الأوضاع غير المستقرَّة التي تعيشها المنطقة، والتصعيد الذي باتت له تداعياته الفكريَّة والنفسيَّة على القناعات، وتأثيره على الهُوِيَّة والثوابت، وما يفرضه واقع المنصَّات الاجتماعيَّة التي يتعايش معها الأبناء اليوم، والصورة التي باتت تقدِّمها حول الآخر ومفهوم المشتركات والهُوِيَّة والخصوصيَّة والثابت والمتغيِّر، هو بناء الوعي الجمعي وإعادة تشكيله في حياة الأبناء، وأن يستهدف البرنامج الصَّيفي في أولويَّاته تأصيل البُعد الوقائي في حياة الأبناء، وتعزيز فرص دعم تغيير السلوك وتطوير الإرادة الذاتيَّة للفرد في الحياة والعمل والمواقف اليوميَّة التي تفرض وجودها في حياة الأبناء، ومواجهة الضغوط اليوميَّة، والتعامل مع الأحداث والأفكار والشَّائعات والمعلَّبات الفكريَّة والأفكار المغلوطة بمزيدٍ من الحكمة والتمحيص والتحليل والتفنيد، وبالتَّالي امتلاك الأسلوب الحكيم في التعامل مع ما يُبث في منصَّات التواصل الاجتماعي وما يتمُّ تداوله فيها، وأخذ المعلومات من مصادرها الأصليَّة، ومتابعة مواقع المؤسَّسات الرسميَّة. وهذا بِدَوْره يستدعي تعريض المستهدفين لمواقف مماثلة وتجريبهم في مواقف حياتيَّة خارجيَّة متنوعة، وتأكيد مسؤوليَّتهم الاجتماعيَّة ودورهم الريادي الإيجابي في البيئة الواقعيَّة والافتراضيَّة.
أخيرًا، فإنَّ نجاح الإجازات في أداء رسالتها لا يُقاس بعدد البرامج والأنشطة المنفَّذة، بل بما تتركه من أثَرٍ مستدام في وعي الإنسان وسلوكه ومنظومة قِيَمهِ؛ ذلك أن كل إجازة تُدار بكفاءة، ويُستثمر وقتها في التعلم والتدريب والتطوُّع والإبداع، تُمثِّلُ استثمارًا حقيقيًّا في رأس المال البشري، وتُسهم في بناء وعي جمعي أكثر نضجًا، ومُجتمع أكثر قدرة على استيعاب المتغيِّرات والتعامل معها بثقة ومسؤوليَّة. ومن هنا، فإن تحويل الإجازات إلى مشروع وطني متكامل لإدارة الوقت وتنمية القدرات وترسيخ الهُوِيَّة يضمن أن تكون هذه الفترات محطَّات لبناء الشخصيَّة وصناعة المبادرة وتعزيز الانتماء، بما ينعكس إيجابًا على المُجتمع والدولة في حاضرها ومستقبلها. فإن إسقاط هذا التوجُّه على البرنامج الصَّيفي يؤسِّس لمرحلة متقدِّمة من العمل على تعظيم الطموحات وتحقيق الأثر وصناعة التغيير وبناء الوعي وتشكيله، وإعادة إنتاج الفرص الناتجة عنه، لِتصبحَ شواهد إثبات على القِيمة المضافة المتحققة منه. غير أن تحقُّق ذلك يبقى مرهونًا بتَبنِّي منهجيَّات أكثر مهنيَّة وتقنينًا وضبطًا في عمليَّة الرَّصد والمتابعة والتقييم والمراجعة والتصحيح، وانتقاء الأدوات وبناء الأُطر والخيارات التي تضْمن لنتائجه الاستدامة والأثر.
د.رجب بن علي العويسي