الثلاثاء 04 أغسطس 2026 م - 20 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

فن الدبلوماسية والإعلام السياحي

فن الدبلوماسية والإعلام السياحي
الثلاثاء - 04 أغسطس 2026 05:02 م

د. سعدون بن حسين الحمداني

10

بعد أن وضعت الحرب العالميَّة الثانية أوزارها، بدأت المدارس الدبلوماسيَّة بالاهتمام كثيرًا بموضوع الإعلام بجميع تفرُّعاته، وركَّزت كثيرًا على الإعلام السياحي؛ حيث يتفاخر كثير من الجامعات البريطانيَّة بأنَّها تشجِّع طلبة الدراسات العُليا على التركيز على الإعلام السياحي واقتصاد البلد، بالإضافة إلى الاهتمام بالموارد البشريَّة، الذي يُعَدُّ العقل المدبِّر والكفء بتأليف مبادئ وأجندة جديدة تدعم السياحة، لذلك بدأت بعض الجامعات والبحوث تتعمق في ابتكار وتطوير جميع النظريَّات التي تدعم السياحة، ووضعت الخطوط العريضة لذلك، والسياحة ـ كما هو معروف ـ كنزٌ لا ينضبُّ بمختلف أنواعه، وكثير من الدول التي ليس لديها مُقوِّمات الطبيعة السياحيَّة أخذت تدرس أجندة ومجالات السياحة الأخرى، ومن أهمِّها:(الطبيَّة، والدينيَّة، والتراثيَّة، والتاريخيَّة، والأكاديميَّة.. وغيرها).

تتفاخر المدارس البريطانيَّة، بصورة خاصة، والأجنبيَّة، بصورة عامَّة، بتشكيل خليَّة عمل كفؤة لتنشيط مُقوِّمات السياحة في بلدانهم، وأعضاء هذه الخليَّة تتكون من:(الدبلوماسيين، والإعلام، ورجال الاقتصاد، ورجال الأمن والشُّرطة، وجمعيَّة أو رابطة الفنادق والمطاعم، والنقليَّات، والصحَّة، والأنواء الجويَّة)، وهذه الخليَّة تُعَدُّ حجر الأساس لتطوير السياحة في كل بلد، واتفقوا على أن تأسيس الإعلام وتطويره وابتكار فرع له مختصٍّ بأحدَث المعلومات عن البلد بجميع تفرُّعاته، ويُسمَّى بالإعلام السياحي، مستندًا إلى خليَّة العمل التي تمَّ تأليفها والعمل سويًّا من أجلِ إنعاش السياحة وازدهارها، كليَّات الإعلام في بعض الدول المتقدِّمة تحوَّلت إلى شركات ومؤسَّسات استشاريَّة استثماريَّة لغرض الترويج للسياحة؛ بسبب ما لديها من مُقوِّمات حديثة ومستحدثة، بالإضافة إلى تدريب الكادر الإعلامي المتخصص بموضوع الدعاية السياحيَّة، بالاستعانة بخبرات المدارس الدبلوماسيَّة المتخصصة بذلك؛ لغرض الترويج ونشر المعلومات لأكبر مساحة جماهيريَّة محليَّة وإقليميَّة ودوليَّة، وبالتَّالي، لجهة السياحة الداخليَّة والسياحة الخارجيَّة، بدأ كثير من الدول الاهتمام بالإعلام السياحي؛ لِمَا له من مردود مالي ضخم للبلد، والذي يرفد الصندوق السيادي، ويرفع من قِيمة الدخل القومي للفرد، وكلُّنا نعرف بأنَّ الموارد النفطيَّة ـ بمختلف أنواعها ـ سوف يأتي يوم وتنضب وينتهي مخزونها، ولكن السياحة تبقى وتتطور بمرور الزمن.

الإعلام السياحي يُعَدُّ الشهاب الذي يضيء الظلام، والشمس التي يتمتع بضوئها كلُّ البشر، والقمر الذي ينير السماء الداكنة؛ لذلك فهو يُعَدُّ العَيْنَ الاقتصاديَّة للبلد التي تروِّج لسياحة ما، والسياحة أنواع، كما تم التطرق إليها سابقًا.

من أهم أدوات الإعلام السياحي في القرن الماضي كانت «المطبوعات من خرائط وصور ومجلَّات ونشرات، والصحف الورقيَّة، والوسائل الإعلاميَّة التقليديَّة مثل التلفزيون والإذاعة»، ولكن الآن، بدخول الطفرات التكنولوجيَّة في بداية هذا العصر، بدأت الأدوات تختلف، ويحتاج إلى عنصر بشري ذي كفاءة عالية باستخدام العلاقات العامَّة الرقميَّة، ووسائل التواصل بمختلف مُسمَّياتها، والإعلام الرَّقمي، والمواقع الإلكترونيَّة السياحيَّة، وتطبيقات الهواتف الذكيَّة، واللُّغات المختلفة، والعملات النقديَّة والتحويلات الإلكترونيَّة، والجولات الافتراضيَّة (360)، والفيديوهات القصيرة بالألوان ذات البُعد الموجي العالي، والرحلات الاستكشافيَّة، واستضافة الإعلاميين وشركات ومؤسَّسات السفر وسياحة المؤثرين، والأفلام الوثائقيَّة الرصينة، ومصداقيَّة المعلومات، والمرشد السياحي ذي الكفاءة العالية، واللوحات الإعلانيَّة في الشوارع والمطارات ووسائل النقل، وإقامة معارض سياحيَّة في دول العالم التي تتمتع بدخل قومي عالٍ، وعمل شراكات وتعاون مع كثير من الجهات الحكوميَّة والخاصَّة لغرض الاستثمار السياحي، والأكشاك السياحيَّة ومراكز استعلامات الزوَّار في المطار والأماكن العامَّة، ونشر قصص وآراء وردود أفعال السيَّاح.

الإعلام لا يقتصر على الجهات الحكوميَّة حصرًا، وإنَّما على الشركات الناشئة من روَّاد الأعمال، وبموافقات رسميَّة من الجهات الحكوميَّة المعنيَّة لتأمين الطريق الآمن لهم في عملهم، ورفدهم بالمعلومات المطلوبة، وإرشادهم.

لقد مَنَّ الله على سلطنتنا الغالية بمُقوِّمات سياحيَّة راقية ومتنوعة وثريَّة وآمِنة، وتاريخ عريق، وشَعب كريم ومضياف، وتراب ذهب صافٍ. فقط نحتاج إلى كوادر متخصِّصة للوصول إلى الاستثمار السياحي لهذه الكنوز الإلهيَّة، وتوظيف الإعلام السياحي مع بعثاتنا الخارجيَّة وسفارات الدول المعتمدة لدى سلطنة عُمان، والشركات التخصُّصيَّة الرَّصينة التي لها باع طويل في هذا المضمار، والاستفادة من خبراتهم؛ وبالتَّالي تشغيل الأيدي العاملة الوطنيَّة من خلال تأسيس شركات إعلاميَّة سياحيَّة تفي بالغرض، بعيدًا عن الطُّرق الكلاسيكيَّة المعتادة. والحمد لله، يتمتع العنصر البشري العُماني ـ من الرجال والنساء ـ بذكاء موروث وجينات تحمل في طيَّاتها الأصالة والكرم والمَحبَّة والتَّسامح والسَّلام؛ لذلك نحثُّ شبابنا العُماني على استغلال الكنز السياحي وتأسيس شركات فرديَّة أو تعاونيَّة، سواء متخصِّصة بالإعلام السياحي أو كمرشدين سياحيين، وتطوير مهاراتهم بفنِّ الدبلوماسيَّة ومفاهيم البروتوكول والإتيكيت السياحي. وهذا ما تُؤكِّدُه وزارة التراث والسياحة العُمانيَّة، وفي الوقت نفسه تدعم الشَّباب من خلال إشراكهم بحلقات متميزة، وتطوير كاريزما المرشد السياحي؛ لتعزيز رؤية «عُمان 2040».

د. سعدون بن حسين الحمداني

دبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت