الثلاثاء 04 أغسطس 2026 م - 20 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

هل ستُحكم الأمم بعقلية كروية؟

هل ستُحكم الأمم بعقلية كروية؟
الثلاثاء - 04 أغسطس 2026 05:00 م

طارق أشقر

أثار تقريرٌ نشرته صحيفة «نيويورك بوست» مؤخّرًا جدلًا سياسيًّا واسعًا، بعدما نقل عن مصادر مقرَّبة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب إعجابه بفكرة أن يتولى جياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، منصب الأمين العام للأمم المُتَّحدة، مستندًا إلى نجاحه في إدارة أكبر منظمة رياضيَّة في العالم.

ورغم أن الفكرة ما زالت ـ على المستوى الرسمي ـ في حدود التقارير الإعلاميَّة، ولم تتحول إلى ترشيح رسمي، لكنَّها تستحق التناول بشفافيَّة، دون استهانة بأيِّ مَن يمكنه الترشح إلى هذا المنصب الحساس؛ وذلك لتبيان الأمر حول: هل يمكن أن تؤهل الخبرة في إدارة مؤسَّسة رياضيَّة عالميَّة صاحبها لقيادة المنظَّمة الأُمميَّة الأكثر تعقيدًا في العالم؟.

الجميع على ثقة بأن (الفيفا) تُعَدُّ نموذجًا ناجحًا لمنظَّمة عالميَّة تضمُّ أكثر من مئتي اتحاد لكرة القدم، وتُشرف على بطولات تستقطب مليارات المشاهدين، وتُحقق إيرادات ملياريَّة هائلة؛ حيث إن قيادة هذه المؤسَّسة العالميَّة تتطلب قدرات تنظيميَّة وإداريَّة وتفاوضيَّة رفيعة، كما هي عليه الآن.

والمعروف أيضًا أن طبيعة عمل (الفيفا) تختلف جذريًّا عن عمل الأُمم المُتَّحدة؛ كون الفيفا تُدير منافسات رياضيَّة وفق لوائح واضحة وآليَّات تنفيذيَّة ملزمة، بينما الأخيرة تُمَثِّل منصَّة سياسيَّة تجمع دولًا تختلف في مصالحها واستراتيجيَّاتها وأيديولوجيَّاتها، فضلًا عن أنها تتعامل مع قضايا الحرب والسِّلم، والأمن الدولي، وحقوق الإنسان، والتنمية، وتغيُّر المناخ، وغيرها من القضايا الشائكة.

ولذلك، فإن النجاح في إدارة مؤسَّسة رياضيَّة لا يعني بالضرورة امتلاك الأدوات اللازمة لإدارة الأزمات الدوليَّة، كما لا يعني أيضًا عدم امتلاك تلك القدرات؛ وذلك رغم أن الأمين العام للأُمم المُتَّحدة لا يملك سُلطة تنفيذيَّة تمكِّنه من فرض قراراته، بل يعتمد على الدبلوماسيَّة والوساطة وبناء التوافق بين القوى الكبرى، وهي مهمَّة أكثر تعقيدًا من إدارة أيِّ بطولة كرويَّة عالميَّة، خصوصًا في ظل وجود حق النقض (الفيتو)، الذي يمنح الدول الخمس الدائمة العضويَّة في مجلس الأمن قدرةً على تعطيل أيِّ قرار، مهما حَظِيَ بتأييد الأغلبيَّة. وبهذا، حريٌّ بنا أن نتساءل: هل ستُحكم الأُمم بعقليَّة كرويَّة؟.

يأتي هذا النقاش في وقت يشهد فيه العالم تحوُّلات جيوسياسيَّة غير مسبوقة، تغيَّرت خلالها موازين القوى بصورة كبيرة؛ فلم يَعُد العالم محكومًا بثنائيَّة قطبيَّة كما كان سابقًا، بل يتَّجه نحو تعدديَّة قطبيَّة، مع صعود الصين، واستعادة روسيا دورًا مؤثرًا في البتِّ بكثير من قضايا العالم، علاوةً على التأثير المتزايد للتكنولوجيا والشركات العابرة للحدود؛ ممَّا زاد من تعقيدات القضايا الأُمميَّة.

وقد كشفت الأزمات الدوليَّة خلال السنوات الأخيرة، مثل الحرب في أوكرانيا، والصراع في الشرق الأوسط، وتصاعد التنافس الأميركي ـ الصيني، عن محدوديَّة قدرة الأُمم المُتَّحدة على التدخل الحاسم؛ فظلَّ دور المنظَّمة الأُمميَّة محصورًا في الدَّعوات إلى التهدئة أو تقديم المساعدات الإنسانيَّة، بينما القرارات المصيريَّة رهينة التوازنات السياسيَّة داخل مجلس الأمن التابع للأُمم المُتَّحدة.

ورغم هذه التحدِّيات، فإن الحديث عن تراجع مكانة الأُمم المُتَّحدة لا يعني فقدانها أهميَّتها، غير أنه يعكس أزمةً في بنيَّة النظام الدولي أكثر ممَّا يعكس أزمةً في قيادتها. وعلى هذا الأساس، يتضح جليًّا أن المُشْكلة لا تكمن في شخصيَّة الأمين العام بقدر ما تكمن في طبيعة النظام الذي يعمل الأمين العام في إطاره، وهو نظام صُمِّم قبل أكثر من ثمانين عامًا، ولم يَعُد يعكس موازين القوى الحاليَّة، التي تتطلب، بلا شك، تميزًا (إلى حدٍّ ما) في مقدَّرات مَن يكون على رأس هذه المنظَّمة.

وعلى ضوء ذلك، يرى المراقبون أن السؤال الحقيقي ليس: هل ستُحكم الأُمم بعقليَّة كرويَّة؟ بل: هل (منظَّمة الأُمم) بصيغتها الحاليَّة قادرة أصلًا على مواجهة تحدِّيات عالم يتغيَّر بشكل كبير؟ وبالتَّالي، لا يحتاج فقط إلى مسؤول أُممي ناجح على رأس المنظَّمة فحسب، إنما يحتاج ويتوق إلى إصلاح مؤسَّسي يُعَزِّز فاعليَّة المنظَّمة، ويمنحها أدوات أكثر قدرةً على حفظ السِّلم والأمن الدولييْنِ.

وعليه، فإن المقارنة بين إدارة كرة القدم وإدارة المُجتمع الدولي تُعَدُّ نقاشًا فكريًّا وسياسيًّا مشروعًا للدفع بالعمل على إعادة هيكلة المنظَّمة الأمميَّة؛ لِتصبحَ أكثر فاعليَّة في مواجهة تحدِّيات القرن الحادي والعشرين. وحينها، أي بعد إعادة الهيكلة تلك، ستصبح المقدَّرات المطلوبة لتولِّي منصب الأمين العام محسومةً بحكم خضوعها للآليَّات المُحدَّدة لِدَور الأمين العام للمنظَّمة المستقبليَّة.

طارق أشقر

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»