تعزيز قيم النزاهة لدى النشء يبدأ من بناء الضمير قبل بناء الأنظمة
الشاشات المخادعة أصبحت حاضنة للغزو الفكري
تفعيل تطبيقات الحماية وتحكم الوالدين بأوقات استخدام الأجهزة والمحتويات
استطلاع ـ سليمان الهنائي:
النزاهة هي التزام راسخ بالمبادئ الأخلاقية والتحلي بالصدق حيث تتطابقها بأقوال الفرد مع أفعاله وهي تعني فعل الصواب باستمرار حتى في غياب الرقابة، والترفع عن السلوكيات المشبوهة أو الضارة. وتتفرع مفاهيم النزاهة وتتجلى في عدة مجالات رئيسة أبرزها في اللغة والاصطلاح، وتشير إلى البعد عن السوء، النقاء، والتعفف، وهي مشتقة من الكمال والتمام وفي العمل تتجلى في رفض استغلال المنصب لتحقيق مكاسب شخصية وتجنب الرشوة أو المحسوبية والحرص على حماية المصلحة والمال العام.
وبعد التأمل في هذه التعاريف سيتضح بشكل لافت أن تطور أي مجتمع وبلد رهين بمدى نضج وتحقق مفهوم النزاهة لدى أفراد المجتمع.
(الوطن) التقت بعدد من المسؤولين والتربويين المعنيين في هذا الجانب..
بداية يقول الشيخ عبدالله بن علي الشحري باحث شؤون إسلامية بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية: إن تعزيز قيم النزاهة لدى النشء يبدأ من بناء الضمير قبل بناء الأنظمة، فالدين الإسلامي يربط النزاهة بمراقبة الله تعالى، ويجعل الصدق والأمانة والعدل من أعظم القيم التي يقوم عليها سلوك الإنسان، ومن هنا فإنّ غرس النزاهة ينبغي أن يبدأ منذ السنوات الأولى من عمر الطفل عبر الأسرة والمدرسة والمسجد ومختلف مؤسسات التنشئة الاجتماعية.
وأضاف الشيخ عبدالله على أن الحديث عن السَّمْت في الدراسات الإنسانية يؤكد أن السَّمْت لكل مجتمع هو المرآة التي تعكس ثقافة ذلك المجتمع، وأن السَّمْت العُماني يتميز تاريخيًّا بالاعتدال والتسامح واحترام الآخرين والمحافظة على الأخلاق العامة وهي قيم منسجمة مع تعاليم الإسلام وموروث المجتمع العُماني، ولذلك فإنّ تعزيز هذه القيم لا يكون بمجرد التوجيه النظري، بل من خلال تحويلها إلى ممارسات يومية يراها النشء في سلوك الوالدين والمعلمين والمسؤولين والشخصيات العامة، منوّهًا بأن النشء يتعلم بالقدوة أكثر مما يتعلم بالمواعظ ولهذا فإنّ تقديم نماذج عملية للنزاهة في البيت والمدرسة والعمل التطوعي والمجتمع يسهم في ترسيخ هذه القيم بصورة أعمق وأبقى أثرًا ثانيًا.
وأوضح الشيخ الشحري: في تصوري لا يوجد تحدٍّ أهم من هذا التحدي وهو آلية نقل هذه المعلومات النظرية إلى واقع ملموس نراه حيًّا في شخصية الأجيال الناشئة، فيعيشون واقعهم ومعاصرتهم دون أن يفقدوا شيئًا من هويتهم وذاتيتهم، منوّهًا بأن النزاهة مجموعة من الأدوات المهمة أبرزها أولًا القدوة الحسنة وهي أعظم وسائل التربية، وثانيًا التربية الإيمانية المبكرة، وثالثًا القصص والسيرة النبوية، ورابعًا المناهج التعليمية والأنشطة المدرسية، وخامسًا المسجد والخطاب الديني الرشيد، وسادسًا العمل التطوعي وخدمة المجتمع، وسابعًا الإعلام الهادف والمنصات الرقمية.
غرس القيم
من جهتها أوضحت عالية بنت علي الهنائي أخصائية إرشاد وتوجيه في مركز الإرشاد الطلابي بجامعة السُّلطان قابوس: النزاهة تنبع من غرس القيم، ممثلة في الأسرة وفهم القدوة المثالية النموذج السلوكي للطفل، فالتزام الوالدين بالصدق والأمانة والتسامح والاحترام والتعاون والمحافظة على العادات والتقاليد يغرس فيه الهوية الوطنية وهي أقوى القيم التي يتعلمها الطفل من والديه، وأيضًا البيئة الحوارية الآمنة من خلال ثقافة الحوار بدلًا من الديكتاتورية والتسلط، مما تمنح الطفل الشجاعة لقول الحقيقة دون الخوف من العقاب.
وأشارت الهنائية إلى أن التحديات كثيرة وتأثيرها مباشر على النشء وما تفرضه التكنولوجيا والعالم الافتراضي، فهنا يجب أن تتعامل معها الأسرة لترسيخ المفاهيم الرصينة والتي باتت تهدد الهوية للنشء، فلم يعد المنع خيارًا واقعيًّا، بل إدارته بأدوات ذكية منها اتباع أدوات الحوكمة الرقمية «التقنية» من خلال تفعيل تطبيقات الحماية وتحكم الوالدين بأوقات استخدام الأجهزة والمحتويات لضمان تعرض الأبناء لمواد تناسب أعمارهم وهويتهم، والمشاركة الرقمية الفاعلة من خلال انخراط الوالدين في اهتمامات الأبناء، وتصفح الألعاب والبرامج معهم مما يتيح فرصة تصحيح الأفكار، وتوجيههم نحو المحتوى الهادف، وتنمية الرقابة الذاتية، وهذه هي الأداة الأقوى والأهم لأنها تربي الطفل على مراقبة الله تعالى وليس وجود الوالدين فقط.
وأفادت الهنائية بأن الأساليب التي يمكن للأسر الاعتماد عليها في بناء شخصية النشء تعتمد على التربية القائمة على الحوار، والثقة تُعَدُّ من أكثر الأساليب نجاحًا، فكلما شعر الأبناء بأن أسرهم تستمع إليهم وتحترم آراءهم زادت قدرتهم على التعبير عن أنفسهم بثقة ووعي، وسرد القصص المستمدة من السيرة النبوية ومن التاريخ العماني والتي تبرز انتصار الأمانة والنزاهة، وأيضًا تعزيز الإيجابي للمواقف التي يظهر فيها الابن سلوكًا نزيهًا كإرجاع الأمانة إلى أهلها والاعتراف بالخطأ وتحميل الطفل المسؤولية والمهام والواجبات داخل المنزل وتوجيههم بشكل هادئ وبإقناع وتعزيز مفهوم الانضباط.
الأفكار العابرة
فيما أفادت فاطمة بنت عامر العمري أخصائية اجتماعية وعضوة في جمعية الاجتماعيين العُمانية بشأن غرس قيم النزاهة للناشئة، بأن ما نشهده اليوم هو عالم تمحو فيه الشاشات الحدود، وتتسلل فيه الأفكار العابرة للقارات إلى غرف أطفالنا دون استئذان، لم تَعُد التربية مجرد نصائح تُملى، بل غدت معركة وعي وبناء، وتظل الأسرة العُمانية هي الملاذ الآمن والمنطلق الأساس الذي يُعول عليه المجتمع لغرس قيم النزاهة والفضيلة، والحفاظ على خصوصية الهوية العُمانية الأصيلة وسط هذه الأمواج المتلاطمة، منوهةً بأن هندسة السلوك من ناحية تصنع جيلًا ينبض بالنزاهة، فهذا يحتاج إلى الوعي وغرسه. فبين معايير التربية الداخلية وحصون الحماية الخارجية، تملك الأسرة العُمانية اليوم المفتاح الحقيقي لتخريج جيلٍ صلب يواجه المستقبل بعقله ويجذر أصالته ونزاهته في أرضه.
وقالت: إن النزاهة ليست شعارًا يُرفع، بل هي ممارسة يومية تتشربها روح الطفل داخل بيته، حيث إن بناء ضمير حي للناشئة لا يأتي بالمصادفة، بل يتأسس على معايير تربوية واضحة وعميقة الأثر، فالقدوة الصامتة تعتمد على الأفعال في الأطفال لا يستمعون إلى خطاباتنا، بل يراقبون حركاتنا؛ إذ إن التزام الوالدين بالصدق، والعدالة، والأمانة في أبسط تفاصيل الحياة اليومية هو المعيار الأقوى؛ فالنزاهة تُعدي ولا تُلقن.
ونوَّهت بأن البوصلة الإيمانية والأخلاقية هي عملية ربط قيم النزاهة بالوازع الديني والتقاليد العُمانية العريقة، حيث هنا نزرع في داخل الطفل «شرطيًّا سريًّا» يُدعى الرقابة الذاتية، ليصبح متمسكًا بالحق حتى وإن غابت أعين البشر، وأيضًا نبني جسور الحوار لا جدران الأوامر، وفتح قنوات نقاش ديمقراطية ومبسطة داخل الأسرة يمنح الطفل الشجاعة الأدبية.
وأشارت العمرية إلى أن الشاشات المخادعة وآليات التصدي أصبحت حاضنة للغزو الفكري والافتراضي في ظل انشغال الآباء بتوفير متطلبات الحياة، حيث يقع الأبناء فريسة لتدفقٍ رقميٍّ غير محدود يحمل في طياته برامج غير هادفة وسلوكيات غريبة عن مجتمعنا ومُخلَّة بقيم الأمانة والنزاهة، وهنا يتطلب منا القيام بعمل صناعة الوعي الناقد في زمن الانفتاح، يستحيل حجب التكنولوجيا بالكامل، ويمكن حل ذلك بتدريب الناشئة على التفكير الناقد؛ ليمتلك الطفل حصانة فكرية تمكِّنه من التمييز بين الغث والسمين، ويرفض تلقائيًّا كل ما يمس هويته ونزاهته، والبُعد عن دور الرقيب، وما علينا القيام به مرافقة الأبناء وأن تكون هناك شراكة يقوم بها الوالدان ومتابعة في الجانب الرقمي، ووضع ضوابط مرنة للاستخدام.
المنظومة القيمية
أما إيمان بنت عبدالله الكيومي أخصائية إرشاد وتوجيه بمركز الإرشاد الطلابي في جامعة السُّلطان قابوس فأشارت إلى أن الأسرة لها الدور الأهم والأبرز في تشكيل المنظومة القيمية لدى الأبناء، إذ إن غرس القيم لا يتحقق من خلال التوجيهات المباشرة كالنصح والإرشاد فحسب، وإنما يقوم على مجموعة من المعايير التربوية المتكاملة يتصدرها وجود القدوة الوالدية الصادقة؛ فالدراسات المستندة إلى نظريات التعلم الاجتماعي تؤكد على أن الأطفال يكتسبون كثيرًا من سلوكياتهم من خلال الملاحظة والمحاكاة أكثر من اكتسابها عبر التوجيه المباشر.
وأكدت الكيومية على أن هناك معايير مهمة منها وجود العلاقة الأسرية القائمة على الحوار والثقة والاحترام المتبادل، فذلك يعزز شعور الطفل بالأمان النفسي، وينمي لديه الرغبة في الالتزام بالقيم من قناعة داخلية، وليس مجرد امتثال ظاهري ناتج عن الخوف من العقاب أو الرفض، كما أن إشراك الأبناء في مواقف الحياة اليومية ومناقشتهم في القرارات الأسرية المناسبة لأعمارهم، يسهم في تنمية حس المسؤولية لديهم ويعزز قيم النزاهة والوعي الأخلاقي في سلوكهم وممارساتهم المستقبلية.
أما عن جانب التكنولوجيا والفضاءات الافتراضية فنوَّهت بأنها أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياة الأبناء، ولذلك فإن أسلوب المنع الكامل لم يَعُد من الحلول الواقعية أو الفاعلة، بل إن تعزيز الوعي الرقمي يظل من أكثر الأساليب اتزانًا وقدرة على مواكبة متطلبات العصر، مسشهدةً بما تشير إليه الدراسات إلى أن الرقابة الوالدية الإيجابية القائمة على الحوار والتوجيه تحقق نتائج أفضل من الرقابة الصارمة القائمة على المنع فقط، وتؤكد الدراسات على أن الأبناء الذين يتلقون توجيهًا رقميًّا واعيًا من الأسرة يكونون أكثر قدرة على مواجهة الضغوط الرقمية الإلكترونية وأقل تبنيًا للسلوكيات والقيم غير الأخلاقية المنتشرة عبر هذه الفضاءات.
وشددت على أهمية وضع ضوابط أسرية واضحة لاستخدام الأجهزة والتطبيقات الرقمية، إلى جانب تعزيز مفهوم المسؤولية الرقمية لدى الأبناء، بما يشمل الصدق في التفاعل الإلكتروني، واحترام الخصوصية، والالتزام بالقيم الأخلاقية في الفضاءات الرقمية.
وقالت: إن تعزيز السلوكيات الإيجابية المرتبطة بالنزاهة عبر الثناء والتشجيع في ترسيخ هذه القيم لدى الأبناء، يُسهم في الاستفادة من القصص والحوار في طرح مواقف حياتية تساعد الأبناء على فهم قيم النزاهة ومناقشة كيفية تطبيقها في واقعهم اليومي، مؤكدة على ضرورة توفير مساحة آمنة للأبناء للتعلم من أخطائهم، والشعور بالقدرة على مناقشة ما يواجهونه من مواقف وطلب التوجيه من الوالدين دون خوف من التوبيخ أو العقاب، فغرس القيم كغرس الشجر يحتاج إلى وقت وصبر ورعاية مستمرة، حتى نجني ثمار تربية متوازنة وشخصيات تتحلى بالنزاهة والمسؤولية.
وأفادت: في ظل التأثيرات الرقمية المتسارعة لم تعد حماية الأبناء قائمة على العزل أو المنع، بل على بناء الوعي والمناعة الفكرية والنفسية التي تمكنهم من التعامل مع المحتوى الذي يتعرضون له بوعي ومسؤولية، ويبدأ ذلك من أسرة تتسم بالاستقرار النفسي والتواصل الفعّال والعلاقة الدافئة بين الوالدين والأبناء.
مسؤولية مشتركة
وقالت هنية بنت سعيد الصبحي باحثة اجتماعية وعضوة بجمعية الاجتماعيين العُمانيين: تبرز الأسرة العُمانية بوصفها الحصن الأول في بناء الشخصية المتوازنة وترسيخ منظومة القيم الأخلاقية لدى الأبناء، فمهما تعددت المؤثرات الخارجية، تبقى الأسرة المؤسسة الاجتماعية الأولى التي يتشكل داخلها وعي الطفل وتتكون من خلالها اتجاهاته وسلوكياته وقيمه المستقبلية. فالمحافظة على قيم النزاهة في عصر التكنولوجيا لم تَعُد مسؤولية المؤسسات التعليمية أو الدينية وحدها، بل أصبحت مسؤولية مشتركة تتصدرها الأسرة من خلال توظيف مجموعة من الأدوات التربوية والاجتماعية القادرة على تعزيز هذه القيم في نفوس الأبناء.
وأشارت إلى أن العقيدة الإسلامية تأتي في مقدمة هذه الأدوات، إذ تمثل المرجعية الأخلاقية التي يستند إليها الفرد في التمييز بين الصواب والخطأ، فالقيم المرتبطة بالأمانة والصدق والإخلاص واحترام حقوق الآخرين تشكل جزءًا أصيلًا من البناء العقدي الذي يوجه سلوك الإنسان في مختلف المواقف موضحة دور المجتمع العُماني الذي تشكّل فيه المجالس والسبلة التقليدية إحدى الأدوات الاجتماعية المهمة في تعزيز قيم النزاهة والاحترام المتبادل، فهذه المجالس لا تؤدي دورًا اجتماعيًّا فحسب، بل تمثل فضاءات تربوية يتعلم فيها الأبناء آداب الحوار، واحترام الرأي الآخر، وتقدير الكبار، والالتزام بالقيم المجتمعية الأصيلة، كما تسهم في نقل الخبرات والتجارب بين الأجيال وتعزيز الشعور بالمسؤولية والانتماء للمجتمع، مضيفة بأن المساجد ضمن أهم المؤسسات الداعمة لجهود الأسرة في تنشئة الأبناء، حيث توفر بيئة تربوية تعزز القيم الدينية والأخلاقية من خلال الصلاة الجماعية والدروس والمحاضرات والأنشطة الموجهة للنشء.
واختتمت حديثها بأن بناء جيل يتحلّى بالنزاهة في ظل التحديات الرقمية المتزايدة يتطلب تكاملًا بين الأسرة والمؤسسات الدينية والتربوية والمجتمعية، فكلما نجحت الأسرة في توظيف هذه الأدوات والأساليب بصورة متوازنة، ازدادت قدرتها على إعداد أبناء يمتلكون مناعة أخلاقية تمكِّنهم من مواجهة التحديات المعاصرة، والمحافظة على هويتهم وقيمهم الأصيلة، والإسهام الإيجابي في بناء المجتمع العُماني ومستقبله.