ينطلق طرحنا للموضوع من فرضيَّة ما يُمَثِّله فصل الصَّيف من فرصة سانحة لبناء ثقافة التعامل مع المخاطر المُتعدِّدة، بما يستدعي تعزيز الثقافة الأمنيَّة ورفع مستوى الأمن والسَّلامة في حياة الفرد، فمع ارتباط هذا الفصل بإجازات الطلبة، واستغلال الأُسر لهذه المساحة الزمنيَّة في تعزيز الترابط العائلي والأُسري من خلال اتساع فرص اللقاء بالأبناء، والتجمُّعات العائليَّة، أو من خلال السفر والسياحة والتنقل، فإنه يرتبط أيضًا بانتشار عدد من الحوادث والظواهر الجرميَّة، الناتجة عن ترك المنازل لفترات طويلة؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى تعرُّضها للسرقة، أو ارتفاع أعداد الحوادث المروريَّة نتيجة حركة التنقل بين المحافظات وقطع المسافات الطويلة، ولا سِيَّما باتجاه محافظة ظفار، فضلًا عمَّا يرتبط بحوادث الحرائق في المَركبات والمنازل والمنشآت الصناعيَّة والمزارع بسبب ارتفاع درجات الحرارة، إضافةً إلى حوادث الأطفال، وحالات الغرق، وغيرها من الحوادث المرتبطة بالأمن والسَّلامة.
ومن هنا، تبرز مع اتِّساع هذه الحوادث الحاجةُ إلى المزيد من الوعي المُجتمعي، والالتزام بالإجراءات الاحترازيَّة والتدابير الوقائيَّة التي ينبغي أن يتحلَّى بها الفرد والأُسرة على حدٍّ سواء خلال فصل الصَّيف، بما يُسهم في رفع مستوى الأمن والسَّلامة والأمان الشخصي، ويُعَزِّز قدرة الفرد على التعامل مع ما قد تفرضه هذه الفترة من تحدِّيات، سواء نتيجة التزاحم على المرافق والبيئات السياحيَّة، أو بسبب كثافة حركة التنقل بين المحافظات والولايات، ثم تَتَشَكَّل لدى الفرد ثقافة أمنيَّة راسخة، تمكِّنه من قراءة الظروف، واستيعاب المواقف، والتعامل مع الأزمات بوعي وإدراك وبصيرة.
إنَّ ما قد يشهده فصل الصَّيف من حوادث يستدعي ـ في المقابل ـ جُهدًا استثنائيًّا في مجالات التوعية والتثقيف، وتَبنِّي السياسات والبرامج التي ترفع من مستوى الوعي المُجتمعي بهذه المخاطر، بمختلف أنواعها وأشكالها وآثارها وتداعياتها على الفرد والأُسرة والناشئة، سواء كانت هذه الأضرار جسديَّة أو نفسيَّة أو اجتماعيَّة أو ماديَّة. وهو ما ينقل عمليَّة التوعية إلى مرحلة أكثر تأثيرًا، يصبح فيها الفرد أكثر وعيًا بمسؤوليَّاته، وإدراكًا لواجباته، واقتناعًا بأهميَّة التغيير الذَّاتي، مستفيدًا من الإمكانات التي توفِّرها مؤسَّسات الدولة المختلفة؛ الإعلاميَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والثقافيَّة والتعليميَّة والدينيَّة، إلى جانب مؤسَّسات التشغيل والعمل والترفيه والاستثمار في المورد البشري.
وفي هذا الإطار، تأتي أهميَّة بناء نموذج وطني رائد يرسِّخ القِيمة المضافة الناتجة عن إعادة تنظيم برامج التوعية والتثقيف والإعلام، وهندسة آليَّات إدارتها، بما يضمن استدامة أثرها وتعظيم نتائجها؛ لِتصبحَ أكثر حضورًا وتأثيرًا في سلوك الأفراد والمُجتمع، على أن تكامل الجهود الوطنيَّة في التوعية لا ينبغي أن يقتصر على التعريف بالمخاطر فحسب، بل يجب أن يمتدَّ إلى إبراز القِيمة المضافة التي يمكن أن تُعَزِّزها هذه الفترة من العام في حياة المُجتمع، من خلال تقوية الممكنات الداعمة للتواصل الأُسري والاجتماعي، وتعزيز فرص التجمُّع العائلي، وتمكين الأُسر من امتلاك مُقوِّمات الثقافة الأمنيَّة والوقائيَّة والسَّلامة العامَّة.
وبالتالي، ينبغي أن تتكاتف جهود مختلف الجهات المختصَّة؛ الأمنيَّة، والقانونيَّة، والقضائيَّة، والاجتماعيَّة، والثقافيَّة، والتعليميَّة، في استثمار هذه الفترة في تنفيذ برامج توعويَّة موجَّهة إلى مختلف فئات المُجتمع، وبخاصَّة ما يتعلق منها بالمخاطر العامَّة، وقواعد الأمن والسَّلامة، وآليَّات التعامل مع المواقف والظروف الطارئة داخل الوطن وخارجه. كما ينبغي أن يأتي ذلك في إطار برنامج وطني متكامل يستفيد من الفضاء الرَّقمي والمنصَّات الرقميَّة في نشر الرسائل الإعلاميَّة والتوعويَّة والتحذيريَّة، بما يجعل كل فرد في المُجتمع أكثر إدراكًا لمسؤوليَّته في الوعي والوقاية، ويشجِّع المُجتمع على تداول هذه الرسائل والتفاعل معها بجديَّة، وصولًا إلى بناء سلوك اجتماعي واعٍ، وثقافة مُجتمعيَّة راسخة تستوعب خصوصيَّة فصل الصَّيف، وتتعامل مع تحدِّياته بمزيدٍ من الفَهْمِ والحذر والوعي. كما يُفترض أن تمارس البرامج الصَّيفيَّة، في ظل الإمكانات المتاحة، أدوارها بكفاءة واحترافيَّة، بحيث تتضمن برامج التوعية والتثقيف نماذج عمليَّة في مواجهة المخاطر والتعامل مع الحوادث، مع ترسيخ مسؤوليَّة الفرد في حماية نفسه وأُسرته ومُجتمعه، وتجنُّب كل ما قد يؤدي إلى الإضرار بهم أو تعريضهم للخطر.
إنَّ من شأن بناء هذا الوعي الأمني في فكر الفرد وسلوكه، وفي المفاهيم التي يتداولها في حياته اليوميَّة، أن يُعَزِّز قدرته على إدارة المواقف المختلفة، ويمكِّنه من التعامل الواعي مع مستويات المخاطر ومتطلبات الأمن والسَّلامة، ولا سِيَّما عند تنقله بين الدول أو سفره خارج الوطن. ويقتضي ذلك أن يمتلك المعرفة الكافية بالوجهة التي يقصدها، والثقافة السَّائدة فيها، وطبيعة المُجتمع الذي يتعامل معه، حتى تكون هذه المعرفة دليلًا ومرشدًا يجنِّبه الوقوع في المحظورات أو التعرض للمخاطر.
وفي هذا الشأن، ينبغي أن يحرص المواطن في سفره وتنقُّله على حملِ الوثائق الرسميَّة التي قد يحتاج إلى إبرازها أمام الجهات المختصَّة خارج الوطن، مثل: جواز السفر، والتأشيرة الإلكترونيَّة، وغيرها من الوثائق اللازمة، وأن يكون على دراية بالآداب العامَّة والأخلاقيَّات التي ينبغي أن يتحلَّى بها في تعامله مع المُرشدين السياحيين، أو أثناء زيارته للمواقع السياحيَّة والترفيهيَّة، ملتزمًا بالقوانين والأنظمة واللوائح، ومُدركًا لثقافة الآخرين وهُوِيَّتهم وعاداتهم وأنماط حياتهم، مع الحرص على قراءة التعليمات والإرشادات الصادرة عن الجهات المختصَّة قَبل مغادرته سلطنة عُمان، والاحتفاظ بوسائل التواصل مع سفارات سلطنة عُمان وقنصليَّاتها في الدول التي يقصدها. ولا يقتصر الوعي الأمني في السفر على الالتزام بالإجراءات النظاميَّة، بل يمتدُّ لِيشملَ حُسن تقدير المواقف، والقدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، والتعامل الواعي مع المستجدَّات، بما يحفظ سلامة المسافر، ويُعَزِّز صورته الإيجابيَّة بوصفه سفيرًا لوطنه وقِيَمه وثقافته.
ومن هنا، فإن صناعة وعي مستدام بما تتطلبه هذه المواقف تبدأ من الذَّات، حين يراجع الإنسان ممارساته وسلوكيَّاته، ويحرص على أن تكون منسجمة مع قِيَم المسؤوليَّة والانتماء الوطني. فالسلوك الأمني لا يقتصر على تجنُّب المخالفات أو الالتزام بالقوانين، بل يشمل أيضًا منظومة متكاملة من الممارسات اليوميَّة التي تعكس احترام النظام العام، والمحافظة على الممتلكات العامَّة والخاصَّة، والالتزام بالصِّدق في نقل المعلومات، والتحلِّي بالحكمة في التعبير عن الآراء، وتجنُّب كل ما من شأنه إثارة الفتنة أو الإضرار بالمصلحة الوطنيَّة. وتَتَأَكَّد أهميَّة هذا الوعي في ظل ما تشهده المنطقة من أحداث ومتغيِّرات، وما يصاحبها من تداول واسع للمعلومات عبر المنصَّات الاجتماعيَّة؛ الأمر الذي يستوجب تحرِّي الدقَّة، وتجنُّب الانجرار إلى النقاشات أو السجالات التي قد تسيء إلى السَّمْت العُماني، أو إلى أخلاق العُمانيين وقِيَمهم، أو تسيء إلى صورة سلطنة عُمان ومكانتها.
ومن هذا المنطلق، فإن الابتعاد عن أماكن المظاهرات والتجمُّعات السياسيَّة أو الحزبيَّة، وعدم الانخراط في الترويج للدَّعوات أو الحملات الدعائيَّة ذات الطابع السياسي، يجنِّب المسافر كثيرًا من الإشكاليَّات، ويَقِيه الوقوع في المحظورات أو التعرض لحالات الاستفزاز أو الاعتداء أو السرقة، كما يقتضي ذلك أن يدرك ـ قَبل سفره ـ أهميَّة الالتزام بجميع الضوابط المعمول بها في الدولة التي يقصدها، وأن يطَّلع على القوانين والأنظمة ذات العلاقة، ويستفيد من خبرات من سبق له السفر إليها من الأهل والأصدقاء، بما يُعِينه على فهْمِ الأنظمة والإجراءات التي ينبغي الالتزام بها.
إنَّ تكرار حوادث الصَّيف وما يرافقها من تحدِّيات، سواء داخل سلطنة عُمان أو خارجها، يفرض على المواطن امتلاك أدوات الوعي اللازمة للتعامل مع مختلف المواقف، ويُؤَكِّد أهميَّة ترسيخ الثقافة الأمنيَّة والحسِّ الوقائي، والالتزام بمعايير الأمن والسَّلامة، والإلمام بالإجراءات والمتطلبات التي يحتاج إليها في تنقُّلاته، ومعاملاته، واستخدامه للمنصَّات الرقميَّة، وغيرها من شؤون الحياة اليوميَّة؛ فإن بناء هذا الوعي لا يقتصر على تجنُّب المخاطر، بل يتجاوز ذلك إلى بناء شخصيَّة متَّزنة، واثقة، ومُدركة لمسؤوليَّاتها، قادرة على اتِّخاذ القرار السَّليم، والتعامل مع المتغيِّرات بحكمة واتزان، بما يحفظ الهُوِيَّة الوطنيَّة، ويُعَزِّز قِيَم المواطنة الصالحة، ويرتقي بسلوك الفرد في مختلف المواقف.
ولعلَّ ما عُرف به أبناء سلطنة عُمان من حكمة واتِّزان، وحُسن تقدير للأمور، واحترام للأنظمة والقوانين، يُمَثِّل رصيدًا وطنيًّا ينبغي المحافظة عليه وتعزيزه؛ لِيبقَى حاضرًا في كل رحلة، وكل موقف، وكل تجربة يعيشها المواطن داخل وطنه أو خارجه. فالسياحة ليست مجرد انتقال بين الأماكن، وإنما هي أيضًا ممارسة تعكس مستوى الوعي، وعُمق الانتماء، ورُقي الأخلاق، وحُسن تمثيل الوطن، بما يجعل من كل مواطن سفيرًا لقِيَم عُمان وهُوِيَّتها الحضاريَّة.
أخيرًا، فإن تعظيم ثقافة التعامل مع المخاطر المُتعدِّدة لا يجب أن يكون مجرد حالة وقتيَّة مرتبطة بفصل الصَّيف فحسب، بل مشروعًا وطنيًّا متكاملًا يتمُّ تنفيذه في مختلف الأوقات، بحيث تتشارك فيه مختلف منظومات الدولة ومؤسَّساتها، والأُسرة، ومؤسَّسات المُجتمع المدني؛ من أجل بناء مُجتمع أكثر وعيًا، والتزامًا، ووقاية، وأكثر استعدادًا للتعامل مع التحدِّيات والتفاعل مع المستجدَّات، وصولًا إلى تحقيق صيف آمن، وحياة أكثر أمنًا واستقرارًا وسلامًا.
د.رجب بن علي العويسي