الثلاثاء 04 أغسطس 2026 م - 20 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

صمت الكبد.. وضجيج المرض!

صمت الكبد.. وضجيج المرض!
الاثنين - 03 أغسطس 2026 05:04 م

د. يوسف بن علي الملَّا

10

لقد جلستُ في يومٍ ما مع مرضى اكتشفوا بمحض المصادفة أنهم كانوا يحملون عدوى التهاب الكبد لسنوات، سواء كان ذلك عبر فحص دم روتيني قَبل إجراء جراحة، أو تبرُّع بالدَّم أدَّى إلى تنبيه المعنيين، أو تشخيص حالة أحَد الأقارب الذي دفعهم، بشكلٍ ما، لإجراء الفحص. الأمر الذي استرجعني لهذا الموضوع، وقَبل أيَّامٍ، عدْت؛ كان اليوم العالمي لالتهاب الكبد الوبائي هو أن أولئك الأفراد لم يشعر أيٌّ منهم بأيِّ وعكة صحيَّة، وهنا يجب أن ندرك أن هذه قد تكون سِمةً من سِمات التهاب الكبد الفيروسي التي قليلًا ما يدركها غير المتخصِّصين في المجال الطبِّي: فهو لا يقرع الأبواب بصخب، بل يتسلل إلى الكبد ويستقر فيه، مؤديًا ـ للأسف ـ إلى أضرار صامتة لسنوات قبل أن يلاحظ أحَد ذلك. وحين تظهر الأعراض، يكون الكبد، في كثير من الحالات، قد عانى بالفعل من التندب لمدَّة عَقد من الزمان أو أكثر!.

لهذا السَّبب، لا يزال اليوم العالمي لالتهاب الكبد، والذي يحييه العالم سنويًّا في الثامن والعشرين من يوليو، يأخذ ذلك الاهتمام؛ فهو، حقيقةً، ليس مناسبةً للاحتفال بالانتصار على مرض قضينا عليه، بل، كما نعلم جميعًا، هي دعوة للتساؤل عن السَّبب، خصوصًا عندما تتأمل الأرقام، تجد أنه من الصعب التقليل من شأنها. كيف لا؟ ومليون وثلاثمائة ألف إنسان يلقون حتفهم سنويًّا نتيجة الإصابة بالتهاب الكبد المزمن (النوعين بي وسي)، وهناك أيضًا ما يقرب من ثلاثمائة مليون شخص يتعايشون، في وقتنا هذا، مع التهاب الكبد المزمن.

ولعلِّي أقول هنا بأن هنالك حقيقةً يجب أن تثير قلقنا أكثر من أعداد الوفيات! فمعظم هؤلاء المصابين لا يدركون إصابتهم من الأساس. إنهم يمارسون أعمالهم، ويربون أطفالهم، ويتقدمون في العمر، بينما يواصل الفيروس نشاطه بصمت ودون أن يشعروا به. بل أعتقد أن المخيف بالموضوع أنه لم تقلّ معدَّلات الإصابة الجديدة؛ حيث إنه لا يزال يسجل قرابة مليون وثمانمائة ألف حالة سنويًّا، حسب الدراسات الحديثة.

لذلك، ما يثير اهتمامي بهذا الموضوع، ونحن لا ننتظر تحقيق اختراق علمي جديد، فاللقاح الآمن ضد التهاب الكبد (بي) موجود أصلًا منذ ثمانينيَّات القرن الماضي، أمَّا التهاب الكبد (سي)، والذي كان تشخيص الإصابة به يعني سابقًا معاناةً مدى الحياة، فقد أصبح الآن قابلًا للشفاء لدى معظم المَرضى من خلال فترة علاجيَّة قصيرة تعتمد على أدوية تؤخذ عن طريق الفم. وتُعَدُّ مصر ـ على سبيل المثال ـ اليوم نموذجًا يحتذى به في مجال الصحَّة العامَّة؛ فقد كانت يومًا ما تسجّل واحدةً من أعلى معدَّلات الإصابة بالتهاب (الكبد سي) في العالم، بملايين المصابين، لكنها نجحت، بفضل حملة وطنيَّة جادَّة ومنسَّقة للفحص والعلاج، في خفض معدَّلات الإصابة الجديدة بشكل كبير. وهذا يثبت حقيقةً بأن القضاء على المرض ليس مجرد أمنية، بل هي تحدِّيات يمكن التغلب عليها متى توافرت الإرادة اللازمة لذلك.

وهنا تكمن نقطة تميُّز حقيقيَّة لسلطنة عُمان، تستحق الفخر والحديث عنها أكثر ممَّا نفعل حاليًّا. ففي عام (١٩٩٠)، طبَّقت عُماننا الحبيبة برنامجًا شاملًا لتطعيم الأطفال ضد التهاب الكبد الوبائي (ب)، وذلك في وقت كانت فيه التقديرات تشير إلى أن العدوى المزمنة تصيب ما بين اثنين وسبعة في المائة من السكان. وبعد مرور ثلاثة عقود، بات الفارق جليًّا بين الأطفال الذين ولدوا قبل بدء البرنامج وأولئك الذين ولدوا بعده. إذ أظهرت الدراسات المقارنة انخفاض معدَّل الإصابة بالعدوى المزمنة بمقدار خمسة أضعاف، متراجعًا من حوالي اثنين في المائة إلى نحو أقل من واحد في المائة (٠,٥)، مع الحفاظ على معدَّلات تغطية تتجاوز التسعين بالمائة، سواء للجرعة الأولى عند الولادة أو للسلسلة الكاملة من اللقاحات لسنوات متتالية. إن هذا الإنجاز ليس بالأمر الهيِّن؛ فهو يُمَثِّل ذلك النوع من جهود وزارة الصحَّة العُمانيَّة الهادئة والدؤوبة.

بطبيعة الحال، يتوقع بعض الباحثين الآن أنه بحلول عام (٢٠٤٠)، قد يحصد التهاب الكبد الفيروسي أرواحًا تفوق في عددها سنويًّا مجموع الوفيات الناجمة عن الملاريا والسّل وفيروس نقص المناعة البشريَّة مُجتمعةً! طبعًا، لا أذكر هذا تقليلًا من شأن الجهود المبذولة لمكافحة تلك الأمراض، بل أقوله لأنه من الغريب أن يتحول التهاب الكبد (وهو مرض يمكننا الوقاية منه بلقاح وعلاجه بقرص دواء) بصمتٍ إلى المرض الأكثر فتكًا، حسب كلام أولئك الباحثين، لمجرد أنه لم يحظَ بنفس القدر من الاهتمام العاجل!؟

ختامًا، ربَّما تكون هذه هي الرسالة الحقيقيَّة الكامنة من طرح هذا الموضوع، وهي رسالة أعتقد، بل ومتأكد، أن نظامنا الصحِّي يأخذها على محمل الجد، بالنظر إلى ما حقَّقه بالفعل فيما يتعلق بالتهاب الكبد «ب» خلال جيل واحد. فالأمر لا يتطلب اكتشاف شيء جديد، بل يدعونا إلى الاستفادة الفعليَّة ممَّا نمتلكه بالفعل، والكفِّ عن السَّماح للوصمة الاجتماعيَّة والإهمال بأن يقف حائلًا بين كبد كان من الممكن إنقاذه وبين علاجٍ كان متاحًا طوال الوقت. وإذا كان هناك أمر واحد أودُّ من القراء هنا، في هذا الوطن العزيز، أن يستخلصوه من هذا اليوم، فهو أمر بسيط: إذا لم يسبق لك إجراء فحص للكشف عن التهاب الكبد (بي) أو (سي)، فاسأل طبيبك عنه في زيارتك القادمة!

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

[email protected]