يتَّسع مفهوم الاستثمار في سلطنة عُمان عامًا بعد آخر، وتتسع معه دائرة الموارد التي يمكن تحويلها إلى قِيمة اقتصاديَّة، وفي هذا الإطار يأتي المشروع التجريبي لزراعة نبات الكاميلينا باستخدام المياه المُجدَّدة لِيظهرَ توَجُّهًا يتجاوز حدود تجربة زراعيَّة، ويضع أساسًا لمسار جديد يجمع بين الطاقة والزراعة وإدارة المياه في منظومة واحدة. هذا النَّوع من المشروعات يرسِّخ مفهوم الاقتصاد الأخضر بوصفه نشاطًا إنتاجيًّا قادرًا على تحقيق عوائد اقتصاديَّة وبيئيَّة في الوقت نفسه، ويفتح الباب أمام صناعة ترتبط بالوقود الحيوي، الذي يُمَثِّل أحَد مصادر الطاقة التي يتزايد الاهتمام بها على المستوى العالمي مع تنامي السَّعي إلى خفض الانبعاثات وتنويع مصادر الطاقة.
ولعلَّ القِيمة الاقتصاديَّة للمشروع لا تتوقف عند إنتاج محصول يمكن استخدامه في تصنيع الوقود الحيوي، لكنَّها تمتد إلى إعادة تعريف المياه المعالجة باعتبارها موردًا إنتاجيًّا قادرًا على دعم قطاعات اقتصاديَّة جديدة؛ فكلُّ متر مكعَّب من المياه المُجدَّدة يمكن أن يتحول إلى عنصر في سلسلة إنتاج متكاملة تبدأ بالزراعة، ثم التصنيع، ثم إنتاج الطاقة، وهو ما يرفع كفاءة استغلال الموارد، ويوسِّع مفهوم الاقتصاد الدائري، ويمنح الاستثمارات البيئيَّة بُعدًا اقتصاديًّا واضحًا، كما أن بناء سلاسل قِيمة مرتبطة بالوقود الحيوي يهيئ فرصًا لقيام صناعات جديدة، ويشجِّع القطاع الخاص على الدخول في مجالات واعدة ترتبط بالتصنيع والخدمات اللوجستيَّة والبحث والتطوير.
إنَّ اختيار مشروع تجريبي قَبل الانتقال إلى التطبيق التجاري يظهر منهجًا يقوم على المعرفة والقياس العلمي، فمشاركة جامعة السُّلطان قابوس، وهيئة البيئة، ومركز عُمان للحياد الصفري، إلى جانب الشراكة بين نماء لخدمات المياه وشركة هيما للطاقة، تمنح المشروع قاعدة علميَّة وفنيَّة تساعد على تقييم الجدوى الزراعيَّة والاقتصاديَّة والبيئيَّة بصورة دقيقة، تلك المنهجيَّة تقلِّل المخاطر، وتدعم اتِّخاذ القرار، وتوفِّر بيانات يمكن البناء عليها عند التوسُّع مستقبلًا، وهو ما يضمن ثقة المستثمرين، ويرفع فرص نجاح أيِّ صناعة ناشئة تعتمد على الوقود الحيوي داخل سلطنة عُمان.
إنَّ التَّوَجُّه نحو الوقود الحيوي ينسجم مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، التي تنظر إلى الاستدامة باعتبارها محركًا للنُّمو الاقتصادي، وتتعامل مع الابتكار بوصفه وسيلة لتعظيم العائد من الموارد الوطنيَّة، كما أنَّ نجاح المشروع يفتح المجال أمام إنتاج أرصدة الكربون، وخفض الانبعاثات، وتوسيع استخدام المياه المُجدَّدة في أنشطة اقتصاديَّة ذات قِيمة مضافة، وهو ما يثبت مكانة سلطنة عُمان في مسار التحوُّل نحو الاقتصاد الأخضر، وكلَّما نجحت التجارب الوطنيَّة في تحويل التحدِّيات البيئيَّة إلى فرص استثماريَّة، ازدادت قدرة الاقتصاد على تنويع موارده، وبناء قطاعات جديدة تمتلك مُقوِّمات الاستدامة والنُّمو على المدى الطويل، ويُؤَكِّد أنَّ تعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة أصبح استثمارًا اقتصاديًّا يوسِّع قاعدة الإنتاج، ويفتح مجالات جديدة للنُّمو، ويدعم مستهدفات التنويع الاقتصادي.