أكسبتني سنوات العمل في المجال الصحفي ـ وخصوصًا في متابعة الشؤون الاقتصاديَّة ـ معرفةً تساعدني على قراءة الأخبار وفَهْم ما وراء أرقامها؛ لذا توقفت أمام ارتفاع إجمالي السيولة المحليَّة في سلطنة عُمان بنسبة (12.7) بالمئة بنهاية مايو (2026)م، لتصل إلى (28) مليارًا و(601) مليون ريال عُماني، فالرقم يشير إلى حركة أوسع داخل الاقتصاد، وجاء مصحوبًا بنُمو ودائع القطاع الخاص، وزيادة القروض والتمويل، وتراجع متوسط سعر الفائدة. وهذه المؤشِّرات مُجتمعةً توفِّر مناخًا أفضل للاستثمار، وتمنح البنوك قدرةً أوسع على تلبية الطلب الجيِّد على الائتمان، ويبقى أثرها مرهونًا بوجود مشروعات قادرة على الإنتاج والسَّداد. فالسيولة لا تتحول تلقائيًّا إلى نُمو، وقِيمتها الحقيقيَّة تظهر عندما تجد طريقها إلى شركة تتوسع، أو مستثمر يبدأ مشروعًا جديدًا.
وعلَّمتني متابعة أخبار الشركات أن خططًا كثيرةً تظل مؤجلة في انتظار تمويل يُناسب حجم المشروع وقدرته على السَّداد، وقد تحتاج مؤسَّسة صغيرة إلى قرض لشراء آلة، أو تمويل أول طلبيَّة، أو الانتقال إلى مقرٍّ يسمح لها بزيادة إنتاجها، وقد يبحث مصنع قائم عن تمويل لإضافة خطٍّ جديد أو تحديث معدَّاته، ومن هنا تفتح زيادة الودائع والائتمان فرصةً أمام الصناعة، والسياحة، والخدمات اللوجستيَّة، والطاقة النظيفة، والزراعة، والتقنيَّة؛ وهي أنشطة قادرة على دعم مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، وتحتاج المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة إلى نصيب واضح من هذه الفرصة، من خلال منتجات ائتمانيَّة تراعي طبيعة أعمالها وتدفُّقاتها الماليَّة. فعندما يبدأ المشروع نشاطه، تتحرك معه أعمال النقل والصيانة والتوريد، ويزداد الطلب على الخدمات، وتظهر وظائف جديدة، وتنتقل الاستفادة من دفاتر البنوك إلى السوق.
ومن بين الأرقام الواردة في الخبر، يستحق انخفاض متوسط سعر الفائدة على القروض من (5.551) بالمئة إلى (5.327) بالمئة التوقف عنده. فالتراجع محدود في ظاهره، ويكتسب وزنًا أكبر لدى الشركات التي تقترض مبالغ كبيرةً لسنوات طويلة؛ لأن انخفاض تكلفة التمويل يخفف أعباء السَّداد، ويحسِّن الجدوى الماليَّة لبعض المشروعات. ولن يكون هذا الانخفاض وحده كافيًا لإطلاق استثمارات جديدة؛ فالقرار يرتبط أيضًا بحجم الطلب، وكلفة المعدَّات، وقدرة المشروع على تحقيق إيرادات مستقرَّة، وقد يساعد المناخ المصرفي الحالي شركات تمتلك السوق والخبرة والعملاء على إعادة دراسة توسعات تأجَّلت، وهنا تبرز مسؤوليَّة البنوك، والجهات التنظيميَّة، ومؤسَّسات ضمان التمويل في توجيه حصَّة أكبر من الائتمان إلى الأنشطة الإنتاجيَّة، مع ضبط القروض الاستهلاكيَّة التي تثقل دخول الأفراد بأقساط طويلة من دون أن تضيف طاقة إنتاجيَّة إلى الاقتصاد.
وأعود ـ بعد قراءة تلك الأرقام ـ إلى السؤال الذي يمنح الخبر أهميَّته، وهو الطريق الذي ستسلكه السيولة داخل الاقتصاد، فوصولها إلى (28.6) مليار ريال عماني يوفِّر أرضيَّة جيِّدة للنُّمو، وتبقى النتيجة مرتبطةً بنوعيَّة الأنشطة التي تحصل على التمويل، وكلَّما اتجهت حصَّة أكبر منه إلى القطاعات المنتجة، ظهر أثره في المصانع، والمزارع، والمنشآت السياحيَّة، وشركات التقنيَّة والخدمات، وقد يمنح تراجع سعر الصرف الفعلي للريال بنسبة (2.8) بالمئة بعض الصادرات والخدمات العُمانيَّة قدرة أفضل على المنافسة السعريَّة، وفق طبيعة كل سوق، كما يدعم نُمو الأصول الأجنبيَّة بنسبة (2.5) بالمئة صورة الاستقرار المالي. وفي النهاية، لا يقاس نجاح الاقتصاد بحجم الأموال الموجودة في البنوك وحده؛ فالمقياس الأصدق هو عدد المصانع التي شيَّدتها، والوظائف التي أوجدتها، والشركات التي ساعدتها على دخول أسواق التصدير. فالمكسب الحقيقي يبدأ عندما تتحول الأرقام إلى إنتاج، والسيولة إلى مشروعات، والتمويل إلى قِيمة تبقى داخل الاقتصاد الوطني.
إبراهيم بدوي