وجَّهت «اليونسكو» الشكر لسلطنة عُمان على جهودها في دعم بناء القدرات لحماية مواقع التراث العالمي في شرق إفريقيا، وأشادت المنظَّمة ـ في بيان نشرته على موقعها الإلكتروني ـ بتمويل سلطنة عُمان مشاريع في جمهوريَّة القمر المُتَّحدة، وكينيا، ومدغشقر، وتنزانيا، بالتعاون مع المنظَّمات الدوليَّة.
وأكَّد مندوب عُمان لدى المنظَّمة الدوليَّة التزام السلطنة بتقديم الدعم لمنطقة شرق إفريقيا في تنفيذ اتفاقيَّة التراث العالمي الموقَّعة في العام (١٩٧٢)م، مُؤَكِّدًا أن تنفيذ هذه المشاريع يُمَثِّل بداية جيِّدة لتعاون أقوى بين السلطنة والمنظَّمة لحماية التراث في دول شرق إفريقيا، بينما دعت المنظَّمة بقيَّة دول العالم إلى أن تحذو حذو سلطنة عُمان، وأن يكون إطلاق هذه المشروعات فرصةً لتشجيع البلدان القادرة على دعم مشاريع مماثلة وضعتها «اليونسكو» في خطَّة التنمية المستدامة لعام (٢٠٣٠)م، وخصَّت بالذكر جهود سلطنة عُمان في إعادة تأهيل «بيت العجائب» في منطقة ستون تاون بزنجبار، ضمن عددٍ من المشاريع الأخرى التي استفادت من التمويل العُماني.
وترتبط سلطنة عُمان وإفريقيا الشرقيَّة بتاريخ طويل من التواصل الحضاري، الذي تحرص السلطنة على أن يستعيد حيويَّته؛ فعُمان كان لها حضور قوي في هذه المنطقة استمرَّ عدَّة قرون، ولا تزال الصلات الاجتماعيَّة متواصلة مع هذه الدول. ويُعَزِّز ذلك الإحساسَ المتجذر في الذاكرة لدى أبناء عُمان وسكان هذه الدول بأهميَّة استمرار هذه الروابط، التي تتجلى مظاهرها في تشابه العادات والتقاليد، ووجود الآثار العُمانيَّة التراثيَّة على امتداد هذه الدول، التي كانت جزءًا من الدولة العُمانيَّة لعقود طويلة.
وتظلُّ إفريقيا الشرقيَّة مجالًا حيويًّا لسلطنة عُمان على الصعيد السياسي والثقافي والاقتصادي؛ فهناك قرون من التمازج المُجتمعي، ومشتركات عديدة مع هذه الدول التي تشهد الآن حالةً من الاستقرار والنُّمو الاقتصادي، وأصبحت لديها رغبة واضحة في التعاون مع دول العالم، وفرص جاذبة للاستثمارات، وكتلة سكانيَّة كبيرة يقترب تعدادها من (٢٥٠) مليون نسمة، وسوق واعدة للاستثمارات بمختلف أنواعها، في الوقت الذي تسعى فيه السلطنة إلى تنويع اقتصادها وتقليص معدَّلات اعتمادها على النفط. وتتميز السِّلع والمنتجات العُمانيَّة، التي شهدت تطورًا نوعيًّا في السنوات الأخيرة، بالجودة، فضلًا عن الخبرة التي يتميز بها التجار العُمانيون بطبيعة السكان وأنماطهم الاستهلاكيَّة، بفضل الوشائج الاجتماعيَّة التي تربط عُمان بشعوب هذه المنطقة، التي ما زالت لم تُكتشف بعد اقتصاديًّا وسياحيًّا؛ فلديها طبيعة بكر ساحرة، وأنهار ممتدَّة، ومياه عذبة تجعلها قبلةً للاستثمار السياحي، كما تكتنز تربتها ثروات معدنيَّة ضخمة تحتاج إلى مَن يكتشفها، وأيديًا عاملةً فتيَّة ورخيصةً يسهل تأهيلها للعمل في المشاريع الزراعيَّة؛ حيث الأرض الخصبة، والمياه المتدفقة طوال العام، وثروات حيوانيَّة وزراعيَّة متعدِّدة الأنواع والأشكال، يمكن أن يستفيد منها روَّاد الأعمال العُمانيون في الخروج من السوق المحلِّي إلى أسواق خارجيَّة تسهل فيها المنافسة.
وتعود العلاقات بين سلطنة عُمان وشرق إفريقيا إلى القرن الثاني الميلادي؛ حيث استقر العُمانيون على امتداد الساحل الشرقي لإفريقيا، جرَّاء الظروف المناخيَّة المتمثلة في هبوب الرياح الموسميَّة، وعلاقتها بحركة إبحار السفن الشراعيَّة التي كانت مستخدمة في ذلك الزمن، وكان ركوب البحر الحِرفة الأساسيَّة للعُمانيين، وفي عصر السَّيد سعيد بن سلطان (١٨٠٤/١٨٥٦)م، شهد الوجود العُماني عصره الذهبي في شرق إفريقيا؛ حيث اتَّخذ زنجبار عاصمةً للإمبراطوريَّة العُمانيَّة في الشرق الإفريقي، وتحت حكمه ازدهرت الأوضاع الاقتصاديَّة، وتطور الأسطول البحري العُماني، وتَعَزَّزت علاقات عُمان بدول الجوار، وشهدت الإمبراطوريَّة العُمانيَّة نهضةً علميَّة وثقافيَّة بارزةً جذبت العلماء وطلبة العِلم من مختلف مناطق إفريقيا.
محمد عبد الصادق
كاتب صحفي مصري