الثلاثاء 04 أغسطس 2026 م - 20 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

قصة قصيرة : بانتظار المطر

قصة قصيرة : بانتظار المطر
الأحد - 02 أغسطس 2026 02:01 م
10

كان الجو اليوم باردًا.. نسمات من ريح شمالية تعبث بالأشجار والبشر من حوله.. تلك البرودة القارصة تدخل إلى العظام مباشرة، ينفخ في يديه ليبث فيهما بعضًا من الحرارة.. يشرب من كوب الشاي الساخن ليسمح للحرارة بأن تجري في عروقه الجافة. أصوات الصراخ المعتادة تعلو بشكل متواصل، والشجار يبدأ منذ الصباح الباكر، يسمع أصوات فتح الأبواب بقسوة وإغلاقها بكل عنف. يتجاهل كل ذلك، ينظر من النافذة ويحدق في الغيوم الداكنة التي بدأت تغطي وجه السماء، ويتابع في هاتفه أبرز الأخبار المتعلقة بالحالة الجوية المترقبة، يركز في التحذيرات المرتبطة بغزارة الأمطار والرياح الهابطة، والتحذير من عبور الأودية الجارفة.

منذ أن كان صغيرًا كان يحب أجواء الشتاء ويعشق تفاصيلها، يغني تحت المطر المتساقط مع أبناء حارته أغاني كثيرة، ويصنع من الطين الطري أشكالا متباينة كثيرة، ويتركها تجف تحت الشمس. لاحقًا صار يشكّل مجاري مائية من الماء المنساب فوق الطين، ويصمم قرية كاملة ببيوتها وأشجارها وسيارتها، يزينها بالحجارة والعيدان وأوراق الشجر. كان الشتاء يسمح له بالتجول في أرجاء قريتهم الصغيرة في كل الأوقات، تصبح الشمس قريبة إلى قلوبهم حتى في وقت الظهيرة، يمر الوقت سريعًا، وتصبح ليالي الشتاء الباردة الممتدة أوقاتًا لسرد الحكايات ومجالا للثرثرة الطويلة التي لا تنتهي.

يجمع بعد فترة النباتات الصغيرة التي انبثقت من تحت التربة، ويضعها في كيس كبير ليدخل في تحدي من استطاع جمع أكبر عدد منها، وكان دائمًا يفوز بالمركز الأول.

يهرب من بيتهم إلى بيوت الجيران، يزعجه ذلك الصراخ الذي يميز بيتهم، يضع دائمًا يديه الصغيرتين على أذنيه، يجد في طرقات حارتهم الصغيرة متنفسًا له ومهربًا من الضوضاء التي تنبعث بشكل مستمر من بيتهم.

استطالت قامته وكبر حب المطر والشتاء في داخل قلبه وفي أعماق روحه، كان يعد الأيام والليالي الصيفية المتطاولة، ينتظر بفارغ الصبر قدوم الشتاء، ليضع الشال على رقبته، ويرتدي ملابس شتوية ثقيلة.

يحب الخروج تحت المطر، يشعر بأن تلك الأجواء تزرع في داخله نوعًا من الطمأنينة والمواساة، تجعله خفيفًا بحيث يشعر بأنه يملك جناحين لا يراهما لكنه يشعر بوجودهما.

حين تبدأ إرهاصات الشتاء بالظهور، يتجه مباشرة للأرض الخلفية يحرثها، ويرتب جوانبها ويخلط السماد بطينها، ليضع فيها شتلات صغيرة من مجموعة خضار متنوعة، يحرص فيها على زرع الفلفل بأنواعه المختلفة والطماطم والبصل والثوم والباذنجان والخس.

يسقيها، ويشعر بغبطة كبيرة وهو يشاهدها تنمو وتتفرع وتصل سعادته عنان السماء حين يشاهد ثمارها الصغيرة وهي تنمو على عجل بينما رائحتها المميزة تطغى على كل الروائح من حوله.

يشعر بالفخر وهو يشاهدها تزين أطباق السلطة التي تصنعها أخته، ويلتهمها وهو يحس بمذاقها الطبيعي في فمه.

هو يحب المطر في كل حالاته غزيرًا كان أو خفيفًا، حتى عندما يترافق مع عواصف رعدية، يسير تحته دون مظلة، حتى ذلك البلل الذي كان يغطيه ويدخله أحيانًا في نوبة زكام أو حمى لم يكن يكترث به.

تعوّد على السير تحت المطر منذ أن كان صغيرًا، صراخ أمه وضرب والده له لم يجديا نفعًا، فتركاه، وترك هو البيت بكل عواصفه وأنوائه، واستمر في السير تحت المطر، منصتًا لوقع قطراته التي تسقط على الأرض وعلى الشجر وعلى الأجساد.

وضع كوب الشاي الفارغ، أدخل يديه في جيوب معطفه ليمنحهما شيئا من الدفء، تحرك نحو الباب، لفحته برودة رياح الشمال، شعر ببرودته تطرق عظامه بكل قسوة، لم يمنعه ذلك من الخروج، ظل يحدق في الغيوم الداكنة التي بدأت تغطي وجه السماء، بهرته تلك الأشكال المتباينة، وتمنى لو يهطل المطر اليوم، ويروي الحفر التي وضع فيها بذور الخضار التي جلبها بالأمس. حدّث نفسه: الخضار التي تروى بالمطر يكون لها طعم آخر، اشتدت ريح الشمال، سرت قشعريرة باردة في عظامه، غطى جسمه بالمعطف، ونفخ في يديه ليحس بحرارة مؤقتة، سار فوق الطين الجاف، غنى بصوت خافت أغاني المطر التي ما زال يحفظها عن ظهر غيب، تجسدت أمامه صور القلاع والبيوت التي كان يصنعها بعد أن يتوقف المطر.

عاد صغيرًا يلهو تحت المطر، تجاهل برودة الريح من حوله، انتظر هطول المطر، عيناه نحو السماء، وفي قلبه عشق يدفعه لانتظار صوته العذب الذي يعيده طفلا بريئًا خفيفًا من أعباء الحياة وثقل الدنيا.

د . أمل المغيزوية

كاتبة عمانية