الثلاثاء 04 أغسطس 2026 م - 20 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

أنواع المياه فـي القرآن «الماء المدرار»

الأربعاء - 29 يوليو 2026 02:01 م
10


أيها القراء.. ومع ماء جديد من أنواع الماء التي ذكرها الله تبارك وتعالي في كتابه الكريم نستكمل مسيرتنا، ألا وهو) ماء مدرارًا)، ومعنى الماء المدرار، كما يقول الراغب الأصفهاني في (المفردات في غريب القرآن، ص310)، قال تعالى:(وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا) (الأنعام ـ 6)، (يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا) (نوح ـ 11)، وأصله من (الدَّرِّ والدِّرَّة، أي: اللّبن، ويستعار ذلك للمطر استعارة أسماء البعير وأوصافه، فقيل: لله دَرُّه، ودَرَّ دَرُّكَ. ومنه استعير قولهم للسّوق: دِرَّةٌ، أي: نفاق، وفي المثل: سبقت درّته غراره، نحو: سبق سيله مطره).

وقد جاءت مادة صبَّ في كتاب الله تعالى في عدة مواضع: الموضع الأول، قال تعالى:(أَلَم يَرَواْ كَم أَهلَكنَا مِن قَبلِهِم مِّن قَرن مَّكَّنَّهُم فِي ٱلأَرضِ مَا لَم نُمَكِّن لَّكُم وَأَرسَلنَا ٱلسَّمَاءَ عَلَيهِم مِّدرَارا وَجَعَلنَا ٱلأَنهاَرَ تَجرِي مِن تَحتِهِم فَأَهلَكنَهُم بِذُنُوبِهِم وَأَنشَأنَا مِن بَعدِهِم قَرنًا ءَاخَرِينَ) (الأنعام ـ 6)، والموضع الثاني، قال تعالى:(وَيَقَومِ ٱستَغفِرُواْ رَبَّكُم ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيهِ يُرسِلِ ٱلسَّمَاءَ عَلَيكُم مِّدرَارا وَيَزِدكُم قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُم وَلَا تَتَوَلَّواْ مُجرِمِينَ) (هود ـ 52)، والموضع الثالث، قال تعالى:(يُرسِلِ ٱلسَّمَاءَ عَلَيكُم مِّدرَارًا) (نوح ـ 11)، قال أبو جعفر الطبري: أمطرت فأخرجت لهم الأشجارُ ثمارها، وأعطتهم الأرض رَيْع نَباتها، وجابوا صخورَ جبالها، ودرَّت عليهم السماء بأمطارها، وتفجرت من تحتهم عيون المياه بينابيعها بإذني، فغمَطُوا نعمة ربهم، وعصوا رسولَ خالقهم، وخالفوا أمرَ بارئهم، وبغَوْا حتى حقَّ عليهم قَوْلي، فأخذتهم بما اجترحوا من ذنوبهم، وعاقبتهم بما اكتسبت أيديهم، وأهلكت بعضهم بالرَّجفة، وبعضهم بالصيحة.. وغير ذلك من أنواع العذاب، ومعنى قوله:(وأرسلنا السماء عليهم مدرارًا) المطرَ، ويعني بقوله:(مدرارًا) أي: غزيرة دائمةً) (تفسير الطبري11/‏‏ 263 ط التربية والتراث)، يقول الفخر الرازي: وَاعْلَمْ أَنَّ الْخَلْقَ مَجْبُولُونَ عَلَى مَحَبَّةِ الْخَيْرَاتِ الْعَاجِلَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى:(وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) (الصَّفِّ ـ 13)، فَلَا جَرَمَ أَعْلَمَهُمُ الله تعالى هاهنا أَنَّ إِيمَانَهُمْ بِاللَّهِ يَجْمَعُ لَهُمْ مَعَ الْحَظِّ الْوَافِرِ فِي الْآخِرَةِ الْخِصْبَ وَالْغِنَى فِي الدُّنْيَا، وَالْأَشْيَاءُ الَّتِي وَعَدَهُمْ مِنْ مَنَافِعِ الدُّنْيَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ خَمْسَةٌ: أَوَّلُهَا، قَوْلُهُ: (يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا)، وَفِي السَّمَاءِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا:(أَنَّ) الْمَطَرَ مِنْهَا يَنْزِلُ إِلَى السَّحَابِ، وَثَانِيهَا: أَنْ يُرَادَ بِالسَّمَاءِ السَّحَابُ، وَثَالِثُهَا: أَنْ يُرَادَ بِالسَّمَاءِ الْمَطَرُ، وَالْمِدْرَارُ الْكَثِيرُ الدَّرُورُ، وَمِفْعَالٌ مِمَّا يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، كقولهم: رجل أو امرأة معطار ومتفال، وَثَانِيهَا، قَوْلُهُ:(وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ..) وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ وَاحِدٍ مِنَ الْمَالِ بَلْ يَعُمُّ الْكُلَّ، وَثَالِثُهَا، قَوْلُهُ:(وَبَنِينَ) وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَمِيلُ الطَّبْعُ إِلَيْهِ، وَرَابِعُهَا: قَوْلُهُ:(وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ..) أَيْ: بَسَاتِينَ، وَخَامِسُهَا: قَوْلُهُ:(وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهارًا) (مفاتيح الغيب للرازي 30/‏‏652)، ويقول القرطبي:(وأرسلنا السماء عليهم مدرارًا) يريد المطر الكثير، عبر عنه بالسماء لأنه من السماء ينزل، و(مدرارًا) بناء دال على التكثير، كمذكار للمرأة التي كثرت ولادتها للذكور، ومئناث للمرأة التي تلد الإناث، يقال: در اللبن يدر إذا أقبل على الحالب بكثرة، وانتصب (مدرارًا) على الحال، وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم أي: من تحت أشجارهم ومنازلهم، ومدرارًا ذا غيث كثير) (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6/‏‏392)، ويقول صاحب:(تفسير الخازن لباب التأويل في معاني التنزيل 4/‏‏345):(وعن بكر بن عبد الله أن أكثر الناس ذنوبًا أقلهم استغفارًا وأكثرهم استغفارًا أقلهم ذنوبًا، وعن الحسن أن رجلا شكا إليه الجدب فقال له استغفر الله وشكا آخر إليه الفقر وقلة النسل وآخر قلة ريع أرضه فأمرهم كلهم بالاستغفار فقال له الربيع بن صبيح: أتاك رجال يشكون أنواعًا فأمرتهم كلهم بالاستغفار؟ فتلا هذه الآية وقوله يرسل السماء عليكم أي يرسل ماء السماء وذلك لأن ماء المطر ينزل من السماء إلى السحاب ثم ينزل من السحاب إلى الأرض، وقيل: أراد بالسماء السحاب، وقيل أراد بالسماء المطر يعني المطر مدرارًا أي: كثير الدر وهو حلب الشاة حالا بعد حال، وقيل: مدرارًا أي: متتابعًا، (وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ) أي: يكثر أموالكم وأولادكم، (وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ) أي: البساتين، (وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهارًا) وهذا كله مما يميل طبع البشرية إليه).. فاللهم لك الحمد.

د.محمود عدلي الشريف 

 [email protected]