الثلاثاء 04 أغسطس 2026 م - 20 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

التعلق فـي أشباه الجمل ودوره الدلالي

الأربعاء - 29 يوليو 2026 02:00 م
70

في هذا المقال، سنقف على إمكانة جديدة من إمكانات اللغة العربية، وما أكثرها!؛ حيث تملك اللغة العربية إمكاناتٍ تعبيريةً كبيرةً، وطاقاتٍ دلاليةً، لا حصر لها، وهو مما لا يوجد في غيرها من اللغات، وأقصد بالتعلق هنا توجِّه أشباه الجمل إلى أفعالها، وتغيِّر دلالاتِها، ومعانيَها بتغيُّر أشباه الجمل تلك، وهو أمر عجيب، تمتاز به لغتنا الجميلة، وهنا نعرض لفعل واحد من أفعال اللغة، تتغير دلالته بتغير وجود حرف الجر في كل مرة، أو في نزعه، وحذفه، فبقاؤُه ذو مغزى كبير، وحذفُه ينطوي على معنى غزير، ويدل على منعرج دلالي، فائق، خطير.

ونأخذ في تلك المقالة الفعل: (رغب)، حيث ذكرتْ له في المعاجم تعلقاتٍ كثيرة، هي أولى بجمعها هنا، ومناقشة معانيها، ومعرفة مغازيها.

فالفعل قد يأتي غفلًا من شبه الجملة، نحو قولهم: (رغبت الشيء) أي: أحببته، أو رفضته؛ لعدم وجود شبه الجملة (فيه)، أو (عنه)؛ ولذلك فإن قوله تعالى:(وترغبون أن تنكحوهن) يحتمل الأمرين: الرغبة في نكاح الإماء، وحبُّه، والسعي له، أو الرغبة عن نكاحهن، وكراهية ذلك، والفرار منه، فقد ترك القرآن الكريم مساحة للمؤمنين في نكاحهن، أو الإعراض عن ذلك، فَتَرَكَ القرآن الكريم شبه الجملة مفتوحًا؛ ليستوعب ما في قلوب المؤمنين تجاه نكاح الإماء؛ حتى لا يستشعر أحدٌ الحرجَ في ذلك: إيجابًا، أو سلبًا.

وإن كان السياق العام يَصُبُّ في الرغبة في نكاحهن، لا عن نكاحهن، كما في قوله تعالى:(يدعوننا رغبًا ورهبًا)، حيث يدعوننا في رغبة، أو رهبة، أي: يريدون ذلك، ويرغبونه، فهي إلى الإيجاب، والعمل أقرب منها إلى جانب الرفض، والإباء، وهو من جمال اللغة العربية، وجلالِها، وسموِّها، ورقيِّها، وجمالِ عطاءاتها، وكمالِها.

وأما قولنا:(رغبت في صحبتك، أو رغبت في السفر معك، أو إليك) فهو هنا بمعنى أردتُ، وأحببتُ، وحَرَصْتُ، فهو في معنى الإيجاب، واستعملت (في) لبيان عمق الرغبة، واتساع الإرادة، وتغلغلها في نفس القائل، وحسه، ووعيه، وضربها في أدران روحه، وطوايا ذاته، وتغلغلها كل كيانه، وفي طوايا نفسه.

وأما قولنا:(رغبت عن التواصل معك) أي: كَرِهْتُهُ، ولم أستحسنه، وعِفْتُهُ، وصددتُ عنه فهي أقرب إلى المعنى السلبي في الرغبة، وهو الكره، والصد، والبعد، والرفض، فحرف جر هو(عن) أحال المعنى إلى الضد، وحَوَّلَه من حُبٍّ إلى كُرْهٍ، رغم أن الفعل واحد، لكنَّ الدلالة تختلف، وتتضاد بالتعلق في شبه الجملة الذي أحال المعنى، وغيَّر الدلالة من إيجاب إلى سلب، ومن قبول، وحُبٍّ إلى رفض، وكُرْهٍ.

ومنه في الكتاب العزيز قوله تعالى:(قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) (مريم ـ 46).

فوالد إبراهيمَ يُنْكِرُ على ابنه أن يكره الآلهة المزيفة، ويرفض عبادتها الشركية؛ لكون ذلك إشراكًا بالله، وعبادة لمَنْ دونه ممن لا يستحقون ذلك، ووالده مشركٌ بالله، عابدٌ للأوثان، فكأن المعنى هو:(أكاره أنت آلهتي، وصادٌّ عن عبادتها، ورافض لها؟!)، وخاطبه بـ(أنتَ)، كأنه ليس بنبيٍّ، ولا رسولٍ ربَّانيٍّ، رغم أنه شيخ الأنبياء، وخليل الرحمن، وأنه أمة وحده، وأنه أوَّاه، حليم، وهو حريص على إيمان أبيه، لكنه عَمَى القلب عن عبادة الإله الحق، والسير وراء التقليد الأعمى للآباء، والأجداد، والعادات الشِّرْكية التي كانت مخيِّمة على عقول الآباء، والأجداد، وهي إغلاق العقل، واتباع الباطل، والسير وراء التقاليد، والعادات الاجتماعية السيئة، وعدم تحكيم العقل فيما يفعل الشخص، أو يأتيه عن جهل، وعناد، وتقليد أعمى، واتِّباع غيرِ واعٍ.

فكان إبراهيم ـ عليه السلام ـ يكره ذلك، ويَهْوَى التوحيدَ، والعبادة الصحيحة، فأنكر عليه أبوه ذلك، وخرج الإنكار في ثوب لغوي، فيه:(عن)، وليس فيه:(في)، حيث قال الله تعالى:(أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم) (فرغب عن) ـ كما رأينا ـ تُضَادُّ، وتُنَاقِضُ (رغب في).

وأما (رغب إلى) فتعني: سأله حاجتَه، وتضرَّع، وابْتَهَلَ، كما قال الله تعالى:(وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) (الشرح ـ 8)، أي: سَلْهُ حاجتَك، واخشعْ له، وتضرعْ إليه، وابتهلْ لعظمته، واسجدْ بين يديه، واسكبِ الدمعِ سَحَّاحًا ومدرارًا على بابه، والزمْ طاعته، ولا تفارقْ عبادته، فحرف الجر (إلى) كأنه أفاد نهاية الغاية المكانية، والقلبية، والعاطفية، فعند بابه تُحَطُّ الرحال، وتُنْشَرُ الخيامُ، وعليك ألا تفارق بابه، وأن تطبل قيامك، وإنْ شئت أن يفتح لك بابَه، فأطِلْ دعاءك، ووقوفك، وخيِّمْ، وإن شئتَ فليكن بين يديه حتى منامك، فإذا رأى بكاءَك، ونحيبَك، ومن القلب كان وجيبُك، وحنينُك، ودموعُك، وخشوعُك، وتضرعُك، وابتهالُك، فعسى أن يفتح بابه، ويدخلك أعتابه، ويرضى توبتَك، ويغسل حوبتَك، ويمحو كربتَك، ويقيل عثرتَك، ويجيب طلبَك، ويرفع ذكرَك، ويُعْلِي قدرَك، وتكون (إلى) قد انتهى بها المطاف إلى العفو، والمغفرة، وقبول المعذرة، وفتح باب القبول، ومحبة الله، والرسول، فقد انتهت (إلى) إلى غايتها، وحققتْ نهاية المكان، وهو جنة الرضوان، واستنزال رحمة الرحيم، الرحمن، وعفو الكريم، المنان ، صاحب العفو، والغفران، ورب المن، وإله العطاء، والفضل، والإحسان.

وأما (رغب بنفسه عن كذا) فتعني البخل بالشيء، والترفع عنه، وتركه، والمضاءَ دُونَه، وكراهية السير فيه؛ ولذلك قال الله تعالى:(مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ..) (التوبة ـ 120)، وهو وارد في صفات السلف الصالح في حبِّهم للرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)، وأن من تتمة الإيمان ألا يتركوه، أو يسلموه لعدوه، وعدوهم، وأن يدافعوا عنه، حتى لو راحت أنفسُهم فداءً له، فهو النبيُّ المصطفى، والرسولُ المجتبى، تفديه الأمةُ كلُّها بنفسها، وتضع أرواحها جميعًا بين يديه دفاعًا عنه، وحماية له: أن يمسَّه سوء، أو أن ينالَه أدنى مكروه، فلو راح معظم رجالات الأمة فداءً لشخصه الشريف، وبقاء له، لكان ذلك أفضل، وأجدى، وأنفع، وأولى لتلك الأمة المسلمة التي تحب رسولها حبًّا شديدًا صادقًا أكبر من حبها لأنفسها، وأولادها. فمن صفاتهم أنهم يقدِّمون أنفسَهم فداءً له، ورغبةً في الدفاع عنه، وحمايته، وألا يقدموا أنفسَهم على نفسه، وألا يرفعوا أصواتَهم فوق صوته، وألا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، أي لا يبخلون بها دونه، ويترفعون بها عنه؛ لأن من علائم الإيمان أن يكون هوانا تبعًا لما جاء به، وأن أنفسَنا، وأرواحَنا، وأولادَنا، وكلَّ ما نملكه يأتي فداءً لشوكة يُشَاكُ بها، أو نسمة هواء زائدة تحوم حوله، فكلُّنا له فداء، نقف دونه، ونمنع عنه كلَّ أذى، وشر، وألم (صلى الله عليه وسلم).

فالدنيا كلها بمن، وما فيها تهون علينا إذا مسَّه أقلُّ سوء، أو حَامَ حوله أدنى ألمٍ، فلا خيرَ فينا إذا لم ندافع عنه، وعن سيرته، ومسيرته، ولا خير فينا إنْ بَعُدْنَا عنه، وعن طهارة سُنته، وجميل، وجليل مسلكه، ودماثة أخلاقه الكريمة.

وبعد، فقد رأينا ـ من خلال ما تقدم ـ أن التعلقَ في شبه الجملة له تأثير دلالي كبير، حيث ينقلب المعنى من الضد إلى الضد، أو يأخذ معانيَ القرب، أو الكره، ويظل حرفُ الجر يراوح مكانَه، وتتنقل دلالتُه بين إيجابية، وقبول، أو إلى كره، وأفول، وترك، وملال، أو تضرع، وابتهال، أو انتهاء الغاية المكانية، أو الإرادة، والحرص، أو الرغبة، والقرب، أو الكره، والبعد، رغم أن مادة الفعل اللغوية واحدة، هي الفعل:(رغب)، وأنها لم تتغير، والذي تغيَّر هو حرف الجر فقط، فتغيَّر معه كلُّ شيء، وانتقلتْ دلالته من السلب إلى الإيجاب، أو من الإيجاب إلى السلب، ومن الرفض، والكره إلى الحب، والحرص، ومن الإدبار، والكره، والانتقال إلى التضرع، والإقبال، والامتثال.سبحان الله على لغة الكتاب العزيز، وإمكاناتها الهائلة!،وتعبيراتها الرائعة الماثلة، وما تمتلكه من طاقات ٱثلة، كانت، ولا تزال مصدرا للري الدلالي، والإشباع اللغوي، والعلو الرباني، والسمو الإلهي.

إنها لغةُ أهلِ الجنةِ، وإنها اللغة التي ارتضاها ربُّ العالمين؛ لتكون آخر اللغات، وأهمَّها على الإطلاق، إنها لغة القرآن الحكيم إلى يوم الدين.

د.جمال عبدالعزيز أحمد 

 كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية

[email protected]