الأربعاء 29 يوليو 2026 م - 14 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

عندما تغيرت لغة الأخبار الاقتصادية

عندما تغيرت لغة الأخبار الاقتصادية
الأربعاء - 29 يوليو 2026 05:03 م

إبراهيم بدوي

كان النفط المحرك الرئيس للأخبار الاقتصاديَّة في سلطنة عُمان على مدى عقود طويلة، ولا يزال المصدر الرئيس للدخل الوطني، في ظل الجهود المتواصلة لتعظيم القِيمة المضافة عبر مشروعات التكرير والبتروكيماويَّات والصناعات المرتبطة بالطاقة، بما يُعزِّز العائد الاقتصادي من كل برميل ينتج داخل السلطنة، ومع إعلان حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ التزام سلطنة عُمان بتحقيق الحياد الصفري الكربوني بحلول عام (2050)م، اتخذت مَسيرة الطاقة مسارًا أوسع، وبدأت مشروعات الطاقة المتجدِّدة والهيدروجين الأخضر تحجز مكانها في الخطط الوطنيَّة، جاء ذلك في إطار رؤية واضحة، بُنيت على دراسات فنيَّة واقتصاديَّة، وتبعتها برامج تنفيذ، وآليَّات طرح، وتنظيم للمنافسة، وهو ما منح هذا القِطاع الواعد أرضيَّة صلبة للنُّمو.

صحيح أن التوجُّه نحو الطاقة المتجدِّدة بدأ منذ فترة، إلَّا أنني مع بداية العام الجاري، لاحظتُ أن شيئًا ما يتغير في الأخبار الاقتصاديَّة العُمانيَّة، حيث بقيت أخبار الطاقة حاضرة كما اعتدنا، غير أن لُغتها أخذت اتجاهًا مختلفًا، لم تكن الملاحظة مرتبطة بطبيعة عملي وحدها، فكل مَن تابع الأخبار خلال الأشهر الماضية يستطيع أن يرصد هذا التحول، فقد توالت الإعلانات عن مشروعات كبرى في قِطاع الطاقة المتجدِّدة خلال فترة قصيرة، حتى أصبحت أسماء مثل: أدم، وسناو، والكامل، ومرسى، ومحوت، والدقم، تتكرر في الصفحات الاقتصاديَّة كما كانت أسماء الحقول النفطيَّة تتكرر في سنوات مضت، وتوقفتُ أمام هذه الملاحظة أكثر من مرة؛ لأن تكرارها لم يكُن مصادفة، ولأنها حملت دلالة تتجاوز حدود كل مشروع على حدة، وأعطت انطباعًا بأن خريطة الطاقة في سلطنة عُمان تدخل مرحلة جديدة تتسع فيها الخيارات، وتتنوع فيها الاستثمارات، ويزداد فيها حضور التقنيَّات الحديثة عامًا بعد عام، والأجمل أن ذلك يشهد رواجًا وإقبالًا كبيرين من جانب المستثمرين والمطورين العالميين والمحليين في الوقت ذاته، وبدأت المنافسة تشتد بين عشرات الشركات.

ومع استمرار الإعلان عن المشروعات، بدأت الصورة تكتمل أمامي. محطَّة شمسيَّة عملاقة في موقع، ومزرعة رياح في موقع آخر، وبرامج لتخزين الطاقة، ومشروعات للهيدروجين الأخضر، وشركات عالميَّة تدخل المنافسة، وتحالفات جديدة تتشكل، واستثمارات تتوزع بين أكثر من محافظة، وهو مشهد لا يصنعه مشروع منفرد، ولا ينتج عن قرار مؤقت، والمشروعات المعلنة هذا العام ترسم ملامح قِطاع اقتصادي يتحرك وفق برنامج واضح، يمتدُّ من أدم وسناو والكامل إلى محوت والدقم ومنح وهيماء.. وغيرها، ويضع سلطنة عُمان بين الأسواق التي تستقطب اهتمام كبار المطوِّرين في قِطاع الطاقة. ولن أبالغ إن قلت إن كبار المنفذين أيضًا، هذا الاهتمام لا يأتي مصادفة، فالشركات تبحث دائمًا عن الأسواق التي تمتلك رؤية مستقرة، وتشريعات واضحة، وفرصًا قابلة للنُّمو، وهو ما يفسر سرعة انتقال السلطنة من مرحلة إعلان التوجُّه إلى مرحلة التنفيذ التي نعيشها اليوم، باختصار فقد وجدت المؤسَّسات العالميَّة الكبرى في السلطنة كثيرًا من هذه المُقوِّمات.

لعلَّ أكثر ما شدَّ انتباهي من أيِّ رقم يتعلق بقدرات الإنتاج، أن هذه المشروعات تفتح أبوابًا اقتصاديَّة أوسع من الكهرباء نفسها، ومن فوائدها البيئيَّة حتى، فكل محطَّة جديدة تعني أعمالًا هندسيَّة، وخدمات لوجستيَّة، وفرصًا للمقاولين، ونشاطًا للموردين، ومساحات أكبر للمحتوى المحلِّي، ومجالات جديدة أمام الشباب العُماني للعمل والتدريب والتخصص؛ لهذا أرى أن القِيمة الحقيقيَّة لما يحدُث تخطَّت أن تقاس بعدد الألواح الشمسيَّة أو التوربينات التي ستدور، وأصبحت تقاس بما تصنعه المشروعات من اقتصاد جديد يضيف إلى المكانة التي رسَّخها النفط والغاز عبر عقود طويلة، ويمنح سلطنة عُمان مصدر قوَّة آخر يتسع مع الزمن، ويجعل لغة الأخبار الاقتصاديَّة أكثر تنوعًا، وأكثر قدرة على التعبير عن اقتصاد يبني مستقبله على أكثر من ركيزة.

إبراهيم بدوي

[email protected]