الأربعاء 29 يوليو 2026 م - 14 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

ازدحام المرور الفضائي

ازدحام المرور الفضائي
الأربعاء - 29 يوليو 2026 05:02 م

د.أحمد مصطفى أحمد

تستعد شركة أمازون لإطلاق نحو (خمسة آلاف) قمر صناعي للاتصالات، وذلك في إطار توجُّه الشركة لتوفير خدمة اتصال الموبايل بالأقمار الصناعيَّة مباشرة، تضاف إلى نحو (أربعمئة) تسيِّرها في الفضاء بالفعل، وتوفِّر إنترنت سريعة للمشتركين، وتستهدف أمازون منافسة خدمة ستارلينك التي توفِّرها شركة إيلون ماسك «سبيس إكس» التي لديها (عشرة آلاف) قمر صناعي للاتصالات في الفضاء، وتوفِّر الإنترنت للمشتركين في نحو (150) بلدًا حول العالم، ولم يَعُدْ إطلاق الأقمار الصناعيَّة للاتصالات مقتصرًا على الدول الكبرى والمتقدمة مثل: الولايات المُتَّحدة والصين ودول أوروبا.. وغيرها، فأغلب دول العالم تطلق أقمارًا صناعيَّة للاتصالات، ما جعل الفضاء مزدحمًا إلى حدٍّ كبير، صحيح أن هناك هيئات دوليَّة تنظِّم إطلاق تلك الأقمار ومساراتها لتفادي تداخلها أو اصطدامها ببعضها وتحطُّمها في الفضاء، لكن التوسُّع في إطلاق أقمار الاتصالات يعني تكدسًا واضحًا، خصوصًا وأن ذلك التوجُّه مرشَّح للزيادة بسرعة.

تدور الأقمار الصناعيَّة للاتصالات في مدارات أقرب للأرض عن غيرها من الأقمار الصناعيَّة ذات الاستخدامات العسكريَّة أو المَدَنيَّة الأخرى، ونتيجة تفاوت ارتفاع مدارات الأقمار الصناعيَّة، يسمح الفضاء بوجود عدد كبير من الأقمار الصناعيَّة التي تدور حول الأرض، لكن مثلما اكتظت الأرض بالبشر ومصالحهم، يكاد الفضاء يكتظ بالأقمار الصناعيَّة والمنتجات الفضائيَّة الأخرى، ما قد يُشكِّل حالة ازدحام مروري فضائي لكل ما يدور حول الأرض ويستهدفها، سواء بكاميرات التصوير المتطورة أو بإرسال إشارات الإنترنت عالية السرعة عبر موجات الراديو واسعة النطاق. مع أن الفضاء حول الأرض قد يبدو فسيحًا بما يكفي لاستيعاب كل تلك الأقمار.. وغيرها، إلَّا أن مسارات دورانها حول الأرض ليست لا نهائيَّة، من هنا يأتي التنافس المحموم بين القوى الكبرى.. وغيرها، ليس على غزو الفضاء فحسب، بل والبقاء فيه واستغلاله في استهداف الأرض وما عليها.

قَبل عدَّة عقود، كان الصراع على الفضاء بين القوَّتين اللتين شكَّلتا قطبَي عالم «الحرب الباردة»، أي: الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المُتَّحدة، بدأ التنافس بإطلاق سفن الفضاء لاستكشاف ما حول الأرض، بداية من سطح القمر إلى مدارات كواكب أخرى في المجموعة الشمسيَّة، ثم تحوَّل الصراع إلى استغلال تلك المبتكرات في الصناعات الفضائيَّة لأغراض غير علميَّة، من عسكريَّة إلى اتصالات مدنيَّة.. وغيرها، وقبل نهاية القرن الماضي لم يَعُدِ الفضاء حكرًا على الأميركان والروس، بل بدأت دول أوروبيَّة وآسيويَّة.. وغيرها تطوير قدراتها بإطلاق الأقمار الصناعيَّة أو استئجار واستغلال ما تطلقه شركات خاصَّة دخلت في ذلك المجال، ولعلَّنا نذكر جميعًا بداية بثِّ القنوات الفضائيَّة واستخدام أقمار صناعيَّة مثل: يوتلسات الأوروبيَّة وعربسات ونايل سات العربيَّة لتحملَ إشارة البثِّ الفضائي للقنوات التليفزيونيَّة.

تطوَّرت الصناعات الفضائيَّة مع الابتكارات التكنولوجيَّة، وبعدما كان الناس يحتاجون إلى أطباق لاقطة كبيرة توضع على أسطح البيوت، أصبحت الأطباق أصغر حجمًا توضع في الشرفات وعلى الشبابيك، ذلك قَبل تطوُّر «البثِّ التدفُّقي» عبر الإنترنت واسع النطاق، وعدم الحاجة للأطباق اللاقطة للإشارات التليفزيونيَّة من الأقمار الصناعيَّة مباشرة، في المقابل تطوَّرت صناعة الأقمار الصناعيَّة، سواء من حيث الحجم أو مساحة موجات الاتصالات عليها، كما تطوَّرت الصواريخ الفضائيَّة التي تطلقها، وأصبحت هناك دول كثيرة حول العالم لديها تلك الإمكانات لإطلاق الأقمار الصناعيَّة الخاصَّة بها للاتصالات.. وغيرها، ولم تَعُدِ الصناعات الفضائيَّة من الكماليَّات، بل مُكوِّنًا أساسيًّا للتطور للدول في قرننا هذا، كل ذلك أدَّى في النهاية إلى الازدحام الهائل للفضاء بتلك المنتجات البشريَّة، وأصبح الصراع الفضائي حاليًّا بين أكبر اقتصادين في العالم: الولايات المُتَّحدة والصين، إلَّا أن كثيرًا من دول العالم دخلت أيضًا حلبة السباق حتى ازدحم الفضاء بأقمار صناعيَّة من كل الجنسيَّات ولكافة الأغراض.

رغم أن القِطاع الخاص دخل مجال السباق الفضائي مُبكّرًا، إلَّا أن القدر الأكبر من استغلال الفضاء كان يعود للحكومات، وللدول الكبرى تحديدًا، أمَّا الآن، ومع توسُّع الخصخصة وتراجع دور الحكومات في الاقتصاد في الدول المتقدمة، وتحوُّل الدول الصَّاعدة والنَّامية أيضًا إلى هذا النهج، فقد أصبحت الشركات الخاصَّة تملك قدرًا كبيرًا من المعدَّات في الفضاء، وفي السنوات الأخيرة تكوَّنت شركات ناشئة تعمل فقط في مجال الصناعات الفضائيَّة وتطوّر الصواريخ الفضائيَّة التي يمكن أن يُعاد استعمالها، ما زاد من حجم ما يُطْلقه البشر في الفضاء، والآن، مع توسُّع اختراق الإنترنت لحياة البشر على الأرض واعتماد مختلف نشاطهم الحياتي عليها، يتوقع زيادة كبيرة في الأقمار الصناعيَّة المخصَّصة للاتصالات وبثّ الإنترنت، وليس السؤال الآن إذا كان الفضاء الخارجي للكرة الأرضيَّة يتحمل الازدحام الهائل المتوقع؛ فلا يُتصور أن هناك ما سيمنع العالم من زيادة أعداد الأقمار الصناعيَّة في الفضاء. إنما السؤال هو عن كيفيَّة تنظيم ذلك التكدُّس الفضائي، ليس فقط من ناحية تحديد مسارات المرور الذي تقوم به الهيئات الفضائيَّة الدوليَّة، وإنما أيضًا بشأن معايير السَّلامة وطُرق التخلص من الأقمار التي انتهى عمرها الافتراضي، وعدم تركها لتنفجر في الفضاء، فمن أخطر الأمور حاليًّا ما يُسمَّى «فضلات الحطام الفضائي» التي تُشكِّل خطرًا على ما يسير في الفضاء من أقمار، وبعض الخطر على الأرض أيضًا.

د.أحمد مصطفى أحمد

كاتب صحفي مصري

[email protected]