تدخل الضفَّة الغربيَّة مرحلة أكثر خطورة مع اتساع دائرة الاعتداءات التي تستهدف المَدَنيين الفلسطينيين، في مشهد يثير قلق المُجتمع الدولي ويضع القضيَّة الفلسطينيَّة أمام منعطف جديد، فالتحذير الذي أطلقته الأُمم المُتَّحدة أمام مجلس الأمن بشأن التدهور السريع للأوضاع يعكس حجم الأزمة على الأرض، ويؤكِّد أنَّ الجرائم لم تَعُدْ تقتصر على حوادث متفرقة، وامتدَّت لِتشملَ القتل، والتهجير، وإحراق الممتلكات، والاعتداء على دُور العبادة، وتخريب البنية الأساسيَّة في عدد من المُدُن والقُرى.. هذه التطوُّرات تفرض واقعًا شديد القسوة على السكَّان، وتزيد من حالة انعدام الأمن، وتدفع مزيدًا من الأُسر إلى ترك منازلها تحت وطأة الخوف والعنف، ناهيك عمَّا يحدُث في قِطاع غزَّة من قتل وترويع، وتعثُّر جهود إعادة الإعمار رغم توقيع الهدنة، ويكشف هذا المشهد عن اتساع رقعة المعاناة الإنسانيَّة في مختلف الأراضي الفلسطينيَّة المحتلَّة.
وتحمل هذه التطوُّرات أبعادًا تتجاوز آثارها المباشرة على الفلسطينيين؛ لأنَّها تَمسُّ قواعد القانون الدولي الإنساني، وتضع المُجتمع الدولي أمام مسؤوليَّات واضحة لا تقبل التأجيل، فحماية المَدَنيين التزام قانوني وأخلاقي نصَّت عليه الاتفاقيَّات الدوليَّة، والقرارات الدوليَّة الصَّادرة عن مجلس الأمن، كما أنَّ محاسبة مرتكبي الجرائم تُمثِّل ركيزة أساسيَّة لمنع تكرارها، وترسيخ مبدأ سيادة القانون، ويكتسب النِّداء الذي وجَّهته الأُمم المُتَّحدة إلى سُلطات الاحتلال أهميَّة خاصَّة؛ لأنَّه يُطالب باتِّخاذ إجراءات فوريَّة لحماية السكَّان الفلسطينيين، ومنع الانتهاكات، وملاحقة المسؤولين عنها، وهو مطلب ينسجم مع المبادئ التي أرساها القانون الدولي لحماية السكَّان الواقعين تحت الاحتلال، وهي أحكام تنطبق على جميع الأراضي الفلسطينيَّة المُحتلَّة، ويُمثِّل الالتزام بهذه المبادئ أساسًا لا غنى عنه لصون الحقوق الإنسانيَّة وحماية السكَّان.
ويؤدي استمرار أعمال العنف في الضفَّة الغربيَّة المُحتلَّة إلى تعقيد المشهد السياسي، ويزيد من حدَّة التوتُّر في الأراضي الفلسطينيَّة المُحتلَّة، ويحول دون أيِّ استقرار حقيقي في المنطقة ككل. كما يوسِّع فجوة الثقة، ويقوِّض أيَّ فرصة لتهيئة بيئة تساعد على استئناف المسار السياسي. ذلك أنَّ الاستقرار لا يتحقق في ظل التهجير، ولا يمكن لأيِّ جهود دبلوماسيَّة أنْ تؤتيَ ثمارها مع استمرار الاعتداء على المَدَنيين، وإحراق المنازل، واستهداف المساجد، وتدمير الممتلكات، وكل تصعيد جديد يضيف أعباء إنسانيَّة وأمنيَّة، ويعمِّق معاناة شَعب يعيش منذ عقود تحت وطأة الاحتلال، ويبحث عن حياة آمِنة تحفظ كرامته وحقوقه المشروعة، في ظلِّ موجة متصاعدة من العنف، ويزيد هذا الواقع من صعوبة تهيئة الأجواء اللازمة لأيِّ مسار يفضي إلى سلام مستدام.
إنَّ خطورة المرحلة تستدعي تحركًا دوليًّا أكثر فاعليَّة يتجاوز بيانات الإدانة إلى خطوات عمليَّة تكفل حماية السكَّان الفلسطينيين، وتضمن احترام قواعد القانون الدولي، وتوافر آليَّات حقيقيَّة للمساءلة. كما تستوجب دعم كل جهد يهدف إلى وقفها، وتهيئة الظروف التي تُعيد الاستقرار إلى الأراضي الفلسطينيَّة المُحتلَّة، وتبقى القضيَّة الفلسطينيَّة قضيَّة حق وعدالة، يرتبط مستقبلها بإنهاء الاحتلال، وتمكين الشَّعب الفلسطيني من نَيْلِ حقوقه المشروعة، وفي مقدِّمتها إقامة دولته المُستقلَّة على حدود الرابع من يونيو (1967)م وعاصمتها القدس الشرقيَّة؛ باعتبار ذلك الأساس الذي يقوم عليه سلام عادل ودائم، ويحفظ أمن المنطقة واستقرارها، وتبقى حماية المَدَنيين الخطوة الأولى التي تهيئ الطريق أمام أيِّ تسوية عادلة تضع حدًّا لمعاناة الشَّعب الفلسطيني.