الأربعاء 29 يوليو 2026 م - 14 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

رحاب : ماراثون هذا إنجازي: حين يصبح المشي أسلوبا فـي التفكير

رحاب : ماراثون هذا إنجازي: حين يصبح المشي أسلوبا فـي التفكير
الثلاثاء - 28 يوليو 2026 05:09 م

د ـ أحمد بن علي المعشني

30

يعتقد كثير من الناس أن المشي نشاط بدني يهدف إلى تحسين اللياقة أو المحافظة على الصحة، لكن المشي في حقيقته أعمق من ذلك بكثير.

فهو وسيلة لإعادة ترتيب الأفكار، وتخفيف الضغوط، وتنشيط الإبداع، واستعادة التوازن النفسي. وليس من قبيل المصادفة أن كثيرًا من المفكرين والعلماء والقادة اعتادوا المشي أثناء التفكير أو قبل اتخاذ القرارات المهمة؛ لأن الحركة تحرر العقل من الجمود، وتفتح أمامه آفاقًا جديدة.

عندما يجلس الإنسان ساعات طويلة وهو غارق في همومه، فإن أفكاره تدور غالبًا في دائرة مغلقة، فيزداد القلق وتتضخم المشكلات. أما عندما ينهض ويمشي، فإن إيقاع الحركة يساعد على تهدئة الانفعال، وتنظيم التنفس، وتخفيف التوتر، فيصبح العقل أكثر استعدادًا لرؤية البدائل والحلول، وكثيرًا ما تكون الخطوة الأولى نحو الحل هي الابتعاد قليلًا عن مكان المشكلة، والسير بهدوء حتى يستعيد الإنسان صفاءه الداخلي.

أعرف شخصًا أثقلته الديون، وأرهقته الخلافات الأسرية، حتى أصبح أسيرًا للتفكير السلبي، كان يقضي ساعات طويلة يستعيد المشكلات نفسها، ويصل في كل مرة إلى النتيجة نفسها: الإحباط والعجز، فنصحه أحد الأطباء بأن يجعل المشي عادة يومية، ليس بهدف الرياضة فقط، وإنما بهدف استعادة صفاء الذهن.

بدأ يمشي نصف ساعة كل يوم، ففي الأيام الأولى كان يحمل همومه معه، لكنه مع مرور الوقت بدأ يلاحظ تغيّرًا حقيقيًّا، فأصبحت أنفاسه أكثر هدوءًا، وتراجعت حدة التوتر، وصار يردد الأذكار أثناء المشي، ويتأمل السماء والأشجار، ويمنح نفسه فرصة للإنصات إلى أعماقه. شيئًا فشيئًا بدأت الأفكار تتغير، وأصبح ينظر إلى مشكلاته من زوايا جديدة، لم تختفِ التحديات، لكنها فقدت قدرتها على شل إرادته، ووضع خطة لسداد ديونه، وبادر إلى إصلاح علاقاته الأسرية، واستعاد ثقته بنفسه.

وبعد أشهر قال جملة تلخص تجربته كلها: «لم يحلّ المشي مشكلاتي، لكنه أعاد إليّ الإنسان القادر على حلها».

وهذه هي الرسالة الحقيقية للمشي؛ فهو لا يغير الواقع مباشرة، لكنه يغير الإنسان الذي يتعامل مع ذلك الواقع، وعندما يتغير الإنسان، تتغير قراراته، وتتغير أفعاله، فتبدأ النتائج في التغير أيضًا.

ومن هنا جاءت رسالة ماراثون «هذا إنجازي» للمشي، فهذا الحدث ليس سباقًا رياضيًّا فحسب، بل دعوة مجتمعية إلى تبني أسلوب حياة يجمع بين الصحة الجسدية، والصفاء الذهني، والتفكير الإيجابي، والوعي بالذات، إنه دعوة إلى أن نتحرك بأجسادنا حتى تتحرك عقولنا، وأن نخطو نحو مستقبل أفضل بخطوات ثابتة وواثقة.

ولعل أجمل ما نتعلمه من المشي أن الإنجازات الكبيرة لا تتحقق بقفزة واحدة، بل بخطوات صغيرة متواصلة، فكل خطوة تقربنا من صحة أفضل، وفكرة أوضح، وقرار أحكم، وحياة أكثر توازنًا، وربما يكون أعظم إنجاز في حياة الإنسان يبدأ… بخطوة.

د.أحمد بن علي المعشني 

رئيس أكاديمية النجاح للتنمية البشرية