لم تَعُدْ معادلة العمل في عالم اليوم تقوم على مفهوم الوظيفة التقليديَّة وحده.. فقد أعادت المتغيِّرات الاقتصاديَّة والتقنيَّة المتسارعة تعريف مفهوم العمل، وجعلت من المهارة والابتكار والقدرة على التكيُّف عناصر أساسيَّة في بناء اقتصادات قادرة على المنافسة، وفي ظل هذه التحوُّلات، تمضي سلطنة عُمان بخطوات مدروسة نحو صياغة نموذج اقتصادي يضع الإنسان في مركز التنمية، ويمنحه الأدوات التي تمكِّنه من الإسهام الفاعل في مَسيرة البناء الوطني.
ومن بين الجهود التي تعكس هذا التوجُّه الوطني يبرز ملتقى العمل (2026)م، الذي تنظِّمه وزارة العمل بوصفه منصَّة للحوار واستشراف المستقبل، حيث لا يقتصر دوره على مناقشة قضايا سوق العمل الراهنة، بل يمتد إلى البحث في كيفيَّة بناء منظومة أكثر كفاءة ومرونة واستدامة، قادرة على التعامل مع التحوُّلات الاقتصاديَّة والتكنولوجيَّة، وتوفير بيئة عمل تواكب تطلُّعات المرحلة المقبلة.
لقد جاء إطلاق السياسة الوطنيَّة للتشغيل خلال الملتقى ليؤكد على أن سوق العمل العُماني يدخل مرحلة جديدة تقوم على التخطيط طويل المدى، ومواءمة مخرجات التعليم والتدريب مع احتياجات الاقتصاد، وتعزيز مهارات القوى العاملة الوطنيَّة، بما يجعلها أكثر قدرة على المنافسة في سوق يتغير بوتيرة متسارعة.. فالإنسان لم يَعُدْ مجرد عنصر في العمليَّة الاقتصاديَّة، لكنَّه أصبح محورًا لها ومحركًا أساسًا للنُّمو والابتكار.
ولا شك أن تطوير سوق العمل لا يعني فقط زيادة فرص التوظيف، وإنما يعني بناء منظومة متكاملة توفّر فرصًا متنوعة، وتفتح المجال أمام الشباب لاختيار مسارات مهنيَّة متعدِّدة، سواء عبر العمل في المؤسَّسات، أو من خلال تأسيس مشاريعهم الخاصَّة، أو الدخول في مجالات جديدة ترتبط بالاقتصاد الرَّقمي والصناعات الإبداعيَّة والتقنيَّات الحديثة.
ومن هنا يظهر الدور الحيوي الذي تقوم به هيئة تنمية المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة «ريادة»، باعتبارها إحدى الأذرع المهمَّة في تحويل الطاقات الفرديَّة إلى مشاريع اقتصاديَّة منتجة، فريادة الأعمال لم تَعُد خيارًا هامشيًّا في الاقتصاد الحديث، إنما أصبحت أحد المحركات الرئيسة للنُّمو، ومصدرًا لخلق الوظائف وتعزيز الابتكار وتنويع مصادر الدخل.
والشيء المبشر بالخير أن الأرقام المتعلقة بنُمو قطاع المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة في سلطنة عُمان تكشف عن حراك اقتصادي متنامٍ يعكس تنامي ثقافة المبادرة لدى المُجتمع.. فوجود أكثر من (267) ألف مؤسَّسة صغيرة ومتوسطة حتى نهاية عام (2025)م يُمثِّل قاعدة اقتصاديَّة واسعة تؤكد أن هذا القطاع أصبح شريكًا أساسًا في التنمية وليس مجرد قطاع مساند، كما أن ارتفاع عدد المؤسَّسات الحاصلة على بطاقة ريادة الأعمال ووصول عدد البطاقات الجديدة الصادرة خلال النصف الأول من عام (2026)م إلى أكثر من (19) ألف بطاقة يعكس كذلك الإقبال المتزايد من أصحاب المشاريع على الاستفادة من التسهيلات والخدمات التي توفِّرها المنظومة الوطنيَّة لدعم ريادة الأعمال.. وهذه البطاقة تُمثِّل أداة تمكين تفتح أمام أصحاب المؤسَّسات أبوابًا أوسع للحصول على المزايا والخدمات وتُعزِّز قدرتهم على النُّمو والاستمرار.
إنَّ نجاح المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة يعكس البيئة الدَّاعمة حولها التي تقوم الدولة ببنائها.. فالمشروع الناجح ليس مجرد فكرة، بل يحتاج إلى تدريب واستشارة وتمويل واحتضان وتشريعات مرنة.. ولهذا جاءت برامج «ريادة» المتنوِّعة لتغطي مختلف مراحل المشروع، بدءًا من الفكرة الأولى، مرورًا بالتأسيس والتطوير، وصولًا إلى التوسُّع والمنافسة، من خلال منظومة متكاملة تساعد أصحاب المشاريع على تجاوز التحدِّيات وتحويل الأفكار إلى أعمال مستدامة، عبر برامج الاحتضان ومراكز الأعمال المتخصصة والاستشارات الإداريَّة والماليَّة والقانونيَّة والتسويقيَّة وبرامج جاهزيَّة رائد الأعمال، كما أن الاهتمام بالشركات الناشئة القائمة على التقنيَّة والابتكار يعكس إدراكًا لأهميَّة الاقتصاد الجديد الذي يعتمد على المعرفة والقدرة على إنتاج الحلول، ولم تغفل السياسة الحكيمة دعم الحِرفيين والمؤسَّسات الحرفيَّة، بل أوْلَتهم أهميَّة خاصَّة، كونها تُمثِّل نقطة التقاء بين الهُوِيَّة الاقتصاديَّة والثقافيَّة، فالحِرفة العُمانيَّة ليست مجرد منتج تقليدي، ولكنها يمكن أن تتحول إلى مشروع اقتصادي قادر على الوصول إلى الأسواق المحليَّة والعالميَّة متى ما توافرت لها أدوات التطوير والتسويق والابتكار.
إن التكامل بين وزارة العمل وهيئة تنمية المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة يُمثِّل نموذجًا واضحًا لفكرة أن بناء اقتصاد المستقبل لا يتحقق من خلال مسار واحد، فسوق العمل المتطور يحتاج إلى أفراد يمتلكون المهارات، والمؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة تحتاج إلى بيئة عمل وتشريعات تساعدها على النُّمو، والاقتصاد الوطني يحتاج إلى الاثنين معًا حتى يصبح أكثر تنوعًا وقدرة على مواجهة المتغيرات.
وهنا تتجلى أهميَّة رؤية «عُمان 2040»، التي تنطلق من بناء اقتصاد متنوع ومستدام، يقوم على المعرفة والابتكار وتعزيز دور القطاع الخاص وتمكين الشباب، فالمستقبل لن يكون لمن ينتظر الفرص، بل لمن يمتلك القدرة على صناعتها، ولن يكون للوظيفة وحدها الدور الأكبر، بل للمهارة والمبادرة والإبداع.
وبينما ترسم وزارة العمل ملامح سوق عمل أكثر تنظيمًا واستدامة.. تواصل «ريادة» بناء الجسور التي تصل الأفكار بالأسواق، والطموحات بالإنجازات، وفي المسافة بين السياسة والتطبيق، وبين الرؤية والممارسة، يتشكل اقتصاد عُماني جديد، عنوانه الإنسان، وأداته المعرفة، وهدفه التنمية المستدامة.
ناصر بن سالم اليحمدي
كاتب عماني