الأربعاء 29 يوليو 2026 م - 14 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : خريف ظفار والسياحة التعليمية: نحو استثمار منتج للمعرفة والابتكار

في العمق : خريف ظفار والسياحة التعليمية: نحو استثمار منتج للمعرفة والابتكار
الثلاثاء - 28 يوليو 2026 05:08 م

د.رجب بن علي العويسي

10

لمَّا كان قطاع التعليم من أكبر القطاعات المُجتمعيَّة في موارده البشريَّة، بما يحمله من تفاصيل كثيرة وأجندة متعدِّدة، وحجم الداخلين في هذه المنظومة مقارنةً بالعاملين في قطاعات الدولة الأخرى، ومن منطلق الدور الاستثماري والترويجي للتعليم، كان لحضوره في خريف ظفار السياحي أولويَّة؛ لِمَا يحمله من أبعاد سياحيَّة واجتماعيَّة وثقافيَّة وفكريَّة واقتصاديَّة، فضلًا عن دوره في تأصيل فِقه الإنتاجيَّة في التعليم وتعظيم القِيمة المضافة عبر الاستثمار التعليمي فيه.

لذلك لم يَعُد الحديث عن خريف ظفار السياحي مجرد حدث سياحي سنوي عابر، بل قِيمة استثماريَّة وطنيَّة تتسع لكل القطاعات التنمويَّة، ويُشكِّل التعليم أحد القطاعات الواعدة التي يمكن أن يصنع لها الخريف واقعًا جديدًا، تستلهم من محطَّات الإنتاج فيه طريقها لبلوغ المنافسة وتحقيق التميُّز، وتعزيز البحث في مستلزمات التعليم وحلوله.

وبالتالي، كيف يمكن توظيف هذه الفرص في صناعة سياحة تعليميَّة تحمل في ذاتها عوامل قوَّتها ونجاحها، وتفتح المسارات النوعيَّة لإنجازات تعليميَّة قادمة تشهدها منظومة التعليم، كنتاج لهذا التمازج الفكري، والتعايش المعرفي، والتفاعل في توظيف مشتركات العمل، في ظل ما يحمله الخريف من فرص للبحث والاستكشاف، ومحطَّات للتدريب وبناء القدرات؟

إن الإجابة على هذا السؤال تبدأ بتحويل مواقع الخريف إلى تظاهرة تعليميَّة كبرى، عبر برامج وفعاليَّات تربويَّة وتعليميَّة وتثقيفيَّة وتدريبيَّة، وندوات، ومتابعات ميدانيَّة، وأفواج طلابيَّة تستكشف ما تحمله بيئة المحافظة من فرص، وما تزخر به من أعشاب وأشجار تدخل في الصناعات الدوائيَّة والعلاجيَّة ومستحضرات التجميل، إلى جانب اكتشاف البيئات الأحيائيَّة والحيويَّة وما تحتويه من أنواع الحيوانات والطيور والزواحف، فضلًا عن تنظيم رحلات علميَّة لاستكشاف الكهوف والمغارات الجبليَّة وما تختزنه من نقوش ومنحوتات صخريَّة وغيرها من الفرص والاكتشافات العلميَّة، التي تُشكِّل محطَّة تعليميَّة نوعيَّة في حياة الطلبة عامَّة، والمشاركين في هذه الجولات العلميَّة على وجه الخصوص، بما تضيفه من طابع الاستجمام والترويح والترفيه.

وفي الوقت نفسه، تتيح هذه البيئة فرصًا واسعة للتفكير والبحث العلمي، وإنتاج المواهب، وبناء القدرات الوطنيَّة، وكيفيَّة توظيف هذه الفرص في تحقيق براءات اختراع وطنيَّة قادمة، وتهيئة مختبرات للتدريب والعمل المشترك، بما تستوعبه من خبرات عالميَّة متخصِّصة في مجالات التدريب والإدارة والقيادة الاستراتيجيَّة وغيرها، سواء على مستوى مؤسَّسات التعليم، أو ما تنفِّذه مؤسَّسات الدولة وقطاعاتها المختلفة من برامج تدريبيَّة متخصِّصة لموظفيها، ليجدَ الجميع في هذه الممارسات المبتكرة فرصًا أكبر للقاء والتواصل، وخلق بيئة تدريب وتعليم وعمل نموذجيَّة، تضمن تعريضهم لمواقف حياتيَّة متجدِّدة، ومغامرات استكشافيَّة ممتعة.

من هنا تأتي أهميَّة حضور التعليم كمرتكز أساس في المُكوِّن الخريفي؛ باعتباره خيار قوَّة في إعادة هندسة السلوك الناتج عنه، بما يضمن له القوَّة والجاهزيَّة عبر اعتماده على منهجيَّات واضحة، واستراتيجيَّات دقيقة، وأدوات محكمة، وهو أمر أقرب إلى التعليم ومنظوماته من أيِّ منظومات أخرى، ما يؤكد الحاجة إلى قراءة المدى الذي يشغله المسار التعليمي في أجندة فعاليَّات الخريف، تسويقًا وإنتاجًا واستكشافًا وتطويرًا وتجارب، بالشكل الذي يتعدى فيه مفهوم الاستثمار التعليمي أروقة واختصاصات ومهام التقسيمات الهيكليَّة والإداريَّة لوزارة التعليم، ليشملَ البُعد الاستراتيجي في عمل الجامعات الخاصَّة، وكليَّات العلوم التطبيقيَّة، وجامعة السُّلطان قابوس بكليَّاتها ومراكزها البحثيَّة العلميَّة والإنسانيَّة المتنوعة، والكراسي العلميَّة والتقنيَّة، التي باتَ إسهامها في أجندة الخريف منطلقًا لصناعة التحوُّل في الاستثمار التعليمي المقصود.

وبالتَّالي، أن يستند هذا المنظور الشامل لدور التعليم في صناعة مفردة خريف ظفار في أبعادها الاقتصاديَّة والاستثماريَّة والإنتاجيَّة والتواصليَّة والتدريبيَّة والتسويقيَّة إلى بناء مسارات متعدِّدة تُعزِّز البرامج التدريبيَّة والتعليميَّة والاستكشافيَّة والتشخيصيَّة والإنتاجيَّة والبحثيَّة والاستقرائيَّة والتجريبيَّة، في مجالات الإدارة، والقيادة، والموارد البشريَّة، والتقنيَّة، وريادة الأعمال، والابتكار، وإثراء الموهبة، والبحث العلمي، والاقتصاد، والثقافة، وبناء الذَّات، وإدارة المشاريع، والمسابقات العلميَّة والثقافيَّة، والقراءة، وأدب الطفل، والأنشطة، والفنون، والتراث الوطني، والمناظرات، والمسرح، والمسابقات الفنيَّة، إلى جانب تنمية مهارات الفنون التشكيليَّة، والتصوير الفوتوغرافي، والنَّحت. كما يمتد هذا المسار التعليمي إلى تشغيل المختبرات العلميَّة والمراكز البحثيَّة في جامعة السُّلطان قابوس، وهيئة البحث العلمي والابتكار وغيرها من الجامعات والكليَّات والوزارات والشركات، وتعزيز دور التخصُّصات العلميَّة والطبيَّة في تنظيم رحلات علميَّة استكشافيَّة لجبال المحافظة ووديانها وسهولها، بهدف إنتاج دراسات علميَّة وبحثيَّة تُعزِّز المردود التعليمي للخريف، وتُحقق الاستفادة من البيئة الحياتيَّة والأحيائيَّة، وما يرتبط بها من نباتات، وأنواع الأشجار، والاستخدامات الطبيَّة والدوائيَّة، والبيئة، والتربة، والمياه، والحيوانات، والطيور، وغيرها.

من هنا يبرز دور الخريف في صناعة استثمار تعليمي، وفرص اقتصاديَّة منتجة تتربع على عرشها الشركات الطلابيَّة وريادة الأعمال، ويرتكز الجانب التعليمي على ما سوف يسهم في خلق تحوُّل نوعي يمنح أنشطة التعليم وبرامجه حضورًا أقوى في فعاليَّات الخريف، ويُعزِّز فرص التسويق للإنجاز التعليمي القائم على تعميق فرص البحث والتدريب والمحاكاة وصناعة البدائل، وتعزيز حضور الذَّكاء الاصطناعي في بيئة التعليم والتعلم، وتوجيه أنظار الطلبة إلى البحث في تعزيز الحلول الداعمة لتوطين خوارزميَّات الذَّكاء الاصطناعي في المنتج الطلابي، وبالتالي خلق سيناريوهات عمل ضامنة لروح التحدِّي والمنافسة، تبرز فيها جهود القطاعات الوطنيَّة، كاللوجستيَّات، والنفط والغاز، والصناعة، بما تعرضه من منتجات تعليميَّة، وفلسفات، وآليَّات، ومنهجيَّات، وبرامج، وأدوات، ومستجدَّات، وممارسات تعليميَّة رائدة، مع توفير التشريعات المناسبة لتطبيقها، وتنويع المسارات التعليميَّة الدَّاعمة لبناء نماذج مضيئة في مجالات الاختصاص.

ومن هنا تأتي أهميَّة تكاتف الجهود في تمكين المسارات القطاعيَّة الأخرى من الحضور الفاعل في أجندة الخريف، تعزيزًا للقِيمة المضافة، وترسيخًا للبحث في دور الخريف التعليمي، عبر رفد القطاعات الوطنيَّة بنتائج البحوث والدراسات والاستكشافات والتجارب، بحيث نقرأ في الخريف منظومة عمل للاستثمار الفاعل في مختلف قطاعات التنمية، ليشكِّلَ الاستثمار الاستراتيجي للخريف تعليميًّا محطَّة تؤسِّس للتنافسيَّة، وترسخ للدبلوماسيَّة التعليميَّة القائمة على شراكات دوليَّة وإقليميَّة ووطنيَّة فاعلة، تمنح التطبيقات والتجارب فرصًا أوسع للحضور في الواقع التعليمي بالسلطنة.

وعليه، فإن المتوقع من استيعاب حلقات هذا التحوُّل توفير أرصدة نجاحات قادمة تشهدها منصَّات التعليم، عبر تعزيز الابتكار، وصناعة الموهبة، وإنتاج المعرفة، وتقوية حضور البدائل، وتكوين براءات الاختراع، وإنتاج الوسائل التعليميَّة في مختلف القطاعات التنمويَّة، بما يؤسِّس لاستثمارات جديدة، وإنتاج علمي واقتصادي واجتماعي وطبي وبيئي يصنعه التعليم، ويفتح آفاقًا أرحب للابتكار والريادة والبحث الاستراتيجي والاستكشافات العلميَّة والطبيَّة، ودعم حضورها القوي في أجندة الخريف، بما ينعكس على مسارات الإنجاز التعليمي، ويتجاوز الشكليَّات وسطحيَّة المعلومات إلى بناء محطَّات إنتاج تصنع علامة فارقة في مَسيرة التعليم، وتوظف منصَّاته الحواريَّة في معالجة قضايا الباحثين عن عمل، والمواءمة التعليميَّة، وإدارة المشاريع الاقتصاديَّة، وإدارة المواهب، وتمكين الخبرات، وإدارة المشروعات الاحترافيَّة وغيرها.

كما يؤسِّس هذا التوجُّه لدور الشركات الطلابيَّة التي يمكن أن تعرض منتجاتها واكتشافاتها العلميَّة والطبيَّة والصحيَّة وغيرها في معارض دوريَّة تُنفَّذ وفق خريطة طريق واضحة للمؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة وشركات الإنتاج الطلابي، لتكون فرصة للقادمين إلى المحافظة للاطلاع على هذه المبادرات والفعاليَّات والنماذج العمليَّة التي استطاع الطلبة تحقيقها عبر اكتشافاتهم وتطوير منتجاتهم، الأمر الذي سيكون له مردوده الإيجابي في تعزيز القِيمة المضافة للسياحة التعليميَّة، وتعزيز الاستثمار الاقتصادي في التعليم، وترسيخ حضور مُكوِّناته في واقع الخيارات التعليميَّة والتدريبيَّة والاستكشافيَّة والعلميَّة.

من هنا، يبقى حضور النسق التعليمي بكل تجلِّياته واستثماراته، واتساع الفرص التدريبيَّة، والاستثمار في المورد البشري، مرتكزات مهمَّة في تقديم مؤشِّرات إيجابيَّة لقياس حجم التفاعل الوطني مع مفردة الخريف، والطموحات المتعاظمة لانطلاقته كمدخل لصناعة الفرص وتوفير الحلول للكثير من القضايا الجوهريَّة المرتبطة بالتشغيل، والباحثين عن عمل، والمهارات، والشركات الطلابيَّة، والشركات الناشئة، والعمل الحُر، وقراءة دور التعليم في إنتاج الوظائف، في ظل دخول التعليم شريكًا استراتيجيًّا في التطوير، بما يوفِّره من فرص لنُمو البرامج التعليميَّة والتدريبيَّة.

أخيرًا، ومع التحوُّلات الحاصلة في منظومة التعليم وإعادة الهيكلة، والتوجُّهات الاقتصاديَّة والاستثماريَّة المرتبطة بموسم الخريف ذاته، هل سنشهد جهودًا قادمة تسعى إلى تعزيز دور الخريف في الاستثمار والترويج التعليمي، وصناعة محتوى تعليمي قادر على الإجابة عن التساؤلات المتعلقة بالإدمان الرَّقمي والوعي الرَّقمي وضبط استخدام الأطفال للمنصَّات كأحد مراكز الاهتمام الوطني التي يفترض من التعليم أن يقدِّم معالجاته نحوها، بالإضافة إلى مجالات أخرى تتعلق بالوظائف والباحثين عن عمل والتشغيل والمهارات، لبناء منتج علمي ومحتوى تعليمي يصنع التجارب، ويؤسس للخبرة العُمانيَّة، ويُحقق التنافسيَّة في عدد براءات الاختراع، والتطبيقات الذكيَّة، والحلول الرَّقميَّة؟

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]