يشهد القِطاع الزراعي في سلطنة عُمان مرحلة تتجاوز المفهوم التقليدي للإنتاج، وتتَّجه إلى البحث عن محاصيل قادرة على تحقيق قِيمة اقتصاديَّة مرتفعة، وتعزيز مساهمة الزراعة في التنويع الاقتصادي، وفتح مجالات جديدة للاستثمار والتصنيع، ويأتي نجاح مزرعة قيرون حيريتي التابعة لشؤون البلاط السُّلطاني في زراعة الكاكاو، بعد سنوات طويلة من البحث والتطوير، ليؤكِّدَ أنَّ الاستثمار في المعرفة الزراعيَّة يثمر نتائج تتجاوز حدود المزرعة إلى الاقتصاد الوطني بأكمله، فالكاكاو ليس محصولًا استوائيًّا جديدًا على العالم، لكنَّه يُمثِّل تجربة نوعيَّة في البيئة العُمانيَّة، ويعكس قدرة المؤسَّسات الوطنيَّة على دراسة المُقوِّمات الطبيعيَّة واستثمارها في إنتاج محاصيل تمتلك طلبًا عالميًّا واسعًا، وتدخل في صناعات تتجاوز قِطاع الأغذية إلى مجالات دوائيَّة وتجميليَّة مُتعدِّدة.
ولعلَّ القِيمة الحقيقيَّة لهذه التجربة تكمن في أنَّها تُقدِّم نموذجًا عمليًّا لتطوير مفهوم الأمن الغذائي، الذي أصبح يرتبط بقدرة الدول على تنويع إنتاجها الزراعي، وامتلاك المعرفة اللازمة لإدخال محاصيل ذات قِيمة مضافة مرتفعة، إلى جانب المحاصيل الأساسيَّة. فنجاح زراعة الكاكاو في محافظة ظفار يفتح الباب أمام دراسة محاصيل استوائيَّة أخرى يمكن أنْ تجدَ بيئة مناسبة للنُّمو والإنتاج، بما يوسِّع القاعدة الزراعيَّة، ويمنح المزارعين خيارات اقتصاديَّة جديدة، ويرفع كفاءة استغلال الأراضي الزراعيَّة، كما يُعزِّز هذا النجاح أهميَّة البحث العلمي الزراعي بوصفه أداةً للتنمية، ويؤكِّد أنَّ النتائج الكبيرة تحتاج إلى عمل متواصل وصبر طويل ورؤية واضحة، وهو ما جسَّدته مراحل التطوير والإكثار التي امتدَّت لأكثر من عَقد حتى وصلت التجربة إلى مرحلة النجاح.
وتتجلى الأهميَّة الاقتصاديَّة بصورة أكبر عند النظر إلى سلسلة القِيمة التي يرتبط بها الكاكاو؛ فالعائد الحقيقي لا يتحقق من بيع الثمار الخام، وإنَّما يبدأ مع عمليَّات التخمير والتجفيف والتحميص والطحن، ثم تصنيع الشوكولاتة والمنتجات الغذائيَّة المختلفة، إلى جانب الاستخدامات الدوائيَّة والتجميليَّة، والاستفادة من المخلَّفات الزراعيَّة في إنتاج الأسمدة العضويَّة. وهذه السلسلة تفتح المجال أمام قيام صناعات غذائيَّة جديدة تعتمد على المواد الخام المنتجة محليًّا، وتمنح المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة فرصًا للدخول في أنشطة تصنيع وتعبئة وتسويق تحمل قِيمة اقتصاديَّة أعلى من الإنتاج الأوَّلي، كما تُسهم في توفير فرص عمل، وتنشيط الصناعات المرتبطة بالتغليف والنقل والخدمات اللوجستيَّة، وتوسيع مساهمة القِطاع الزراعي في الناتج المحلِّي الإجمالي، عبر منتجات تمتلك فرصًا حقيقيَّة للمنافسة في الأسواق المحليَّة والإقليميَّة.
إنَّ التجارب الزراعيَّة الناجحة تُمثِّل استثمارًا في المستقبل؛ لأنَّها تبني خبرات وطنيَّة، وتكشف إمكانات جديدة، وتدفع القِطاع الزراعي نحو مستويات أعلى من الإنتاجيَّة والقِيمة المضافة. ونجاح زراعة الكاكاو في ظفار يُقدِّم رسالة واضحة مفادها أنَّ التنويع الاقتصادي يبدأ من حُسن استثمار الموارد الطبيعيَّة، وأنَّ الزراعة قادرة على أنْ تكونَ مصدرًا للصناعة والتصدير والابتكار في الوقت نفسه، وكل تجربة ناجحة من هذا النَّوع تضيف لَبِنة جديدة في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة، يقوم على المعرفة، ويحوِّل الميزة الطبيعيَّة إلى فرصة اقتصاديَّة، ويجعل من المزرعة نقطة انطلاق لسلسلة إنتاج متكاملة تمتدُّ آثارها إلى قِطاعات الصناعة والتجارة والاستثمار، بما يرسِّخ مكانة سلطنة عُمان في مَسيرة التنمية الشَّاملة، ويُعزِّز قدرتها على بناء اقتصاد وطني أكثر قوَّة وتنافسيَّة.