الأربعاء 29 يوليو 2026 م - 14 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

فن الدبلوماسية .. إتيكيت اختيار ألوان وإعداد الورود

فن الدبلوماسية .. إتيكيت اختيار ألوان وإعداد الورود
الثلاثاء - 28 يوليو 2026 05:03 م

د. سعدون بن حسين الحمداني

10

في كثير من الأوقات والمواقف لا نحتاج إلى كلمات وجُمل طويلة لنعبِّرَ عن شيء ما في داخلنا، ونترك الكلام إلى الورود لتنقل مشاعرنا بصدق وهدوء بعيدًا عن أيِّ تكلُّف في الكلام، ويمكن اختيار لون أو عدد معيَّن من الورود لِكَيْ يصل المعنى إلى القلب والعقل بكل بساطة، ولنبدأ بذلك مرحلة جديدة في العلاقة البشريَّة، في مقالنا البسيط والمتواضع اليوم سوف نتعرف إلى دلالات ومعاني الورود وأهميَّتها الكبيرة عند كثير من البشر.

في البداية دعونا نتعرف إلى الفَرق بين الورود والزهور؛ فالزهور: اسم عام يُطلق على جميع الأزهار التي تنتجها النباتات وبعض الأشجار؛ فمثلًا: أشجار زهور التفاح، والبرتقال، والمشمش، والبطيخ، والياسمين، والزنبق، والأقحوان، وعباد الشمس.

أمَّا الورود فهي تستخدم في السياقات الأدبيَّة التي تعبِّر عن المشاعر والأحاسيس، وتستخدم في حياتنا اليوميَّة عكس زهور النباتات المثمرة، وببساطة، فإنّ كل وردة هي زهرة، ولكن ليس كل زهرة هي وردة؛ فعلى سبيل المثال، لا يمكن لنا أن نهدي زهرة البطيخ أو الخيار لِمَن نُحب، أو نزيِّن بها مكاتبنا، وأمَّا الورود فهي التي تحمل المعاني السَّامية التي تعبِّر عن مشاعرنا.

تتفاخر المدارس الدبلوماسيَّة بهذا الفنِّ الرَّاقي، واهتمت به كثيرًا للتعبير عن كثير من المناسبات الاجتماعيَّة والرسميَّة، سواء السعيدة أو الحزينة، ودمجت أغلب المدارس الدبلوماسيَّة اختيار الورود بمفاهيم البروتوكول والإتيكيت، بحيث نشاهد في زيارات كبار الشخصيَّات، وعند نزول المستضيف من سلَّم الطائرة، يُستقبل بباقة ورد ذات ألوان مدروسة، وإعداد وشكل معيَّن، بعيدًا عن خلط الألوان غير المتناسقة؛ لذلك اهتمت أكثر المدارس والمعاهد المتخصِّصة بهذا الفنِّ، تضع اللَّمسات الرَّاقية والجميلة والمتناسقة لغرض إيصال الرسالة المعيَّنة، والمدارس البريطانيَّة المتخصِّصة تتفرد بأنها دمجت عِلم النفس الاجتماعي، وعِلم الطِّب، وعِلم الفيزياء، وفنَّ الدبلوماسيَّة، لتضع لنا الاختيار الأمثل لنوع ولون وعدد الورود المستخدمة؛ فعِلم النفس الاجتماعي يتعامل مع مشاعر وأحاسيس الطرف الثاني، وعِلم الطِّب يدرس روائح الورد ومدى تأثيرها على الشخص، فقد يكون هناك نوع معيَّن يسبِّب حساسيَّة الجلد أو غير مناسب لمرضى الربو، مثل دوَّار الشمس، حيث إن حبوب اللقاح تؤثِّر كثيرًا على الأجهزة التنفسيَّة، وكذلك وردة التوليب والأوركيد. وعِلم الفيزياء يدرس البُعد الموجي للون الوردة ومدى تأثيرها على قرنيَّة العين التي ترسل إشعارات إلى الدماغ لغرض اختيار الأمثل؛ لذلك اهتمت المدارس الدبلوماسيَّة كثيرًا بفنِّ استخدام واختيار الورود.

إتيكيت اختيار الورود ليس سهلًا؛ لكونه يحتاج إلى تفاصيل بسيطة، ومنها: المناسبة، وسبب الإهداء، ووقته، والموقف، وجنس الطرف الآخر ومنصبه ومكانته، والحالة الاجتماعيَّة، وكما هو معروف، فإن الإهداء يعكس احترامك وحُبك واهتمامك بالطرف الآخر، ويترك انطباعًا لا يُنسى لدى مَن يتسلمها؛ لأنه تعبير عن مشاعرك بشكل بسيط وأنيق، وبصدق وهدوء. والورود، بصورة خاصَّة، هي لُغة العاطفة والمشاعر بباقة صغيرة متناسقة وجميلة بألوانها وأنواعها وأعدادها.

يذهب علماء الاجتماع إلى أن «تقديم الورود» يُعَدُّ حجر أساس لبناء علاقة رصينة ومترابطة وذات مستقبل مرموق؛ لأنها تُعبِّر عن احترامهم وتقديرهم للمناسبة وللشخص، وكذلك حُبهم للاستمرار والمحافظة على هذا الرابط الاجتماعي والرَّسمي.

يؤدي عدد الزهور دورًا جوهريًّا في إيصال المعنى للطرف الثاني، فتقديم وردة واحدة يعني الكثير في قاموس الحُب والعشَّاق، فالوردة الواحدة تكاد تختزل عبارات وجُملًا وكلمات كثيرة، أمَّا إذا أردتَ أن تقدِّم باقة من الورود، فعدد الزهور يتعلق بعادات وجنسيَّات مَن تقدَّم إليه الزهور، ففي أميركا يبدو من الأفضل دومًا تقديم باقة من (12) وردة، أمَّا في أوروبا فلا يوجد أيُّ اهتمام بعدد الورود، ومع ذلك، فإنّ الرَّقم (13) يحمل الكثير من المعاني السلبيَّة في الكثير من الثقافات حول العالم؛ لذا تجنبه كليًّا، أمَّا في آسيا، فإنّ الرَّقم (4) يرمز إلى الحظ السيئ وإلى الموت.

هناك عدَّة أشكال لباقات الورود عند استخدامها: قد تكون مستوية توضع على الطاولة بحيث لا يزيد ارتفاع الزهور على (15) سم، في توقيع الاتفاقيَّات، ومناقشة رسائل الدكتوراه والماجستير وما شابه ذلك؛ أو باقات ورود محمولة باليد، في حفل تخرج، أو خطوبة، أو ترقية، أو عيد ميلاد، أو ولادة أطفال، أو عيد الزواج، أو عيد الحُب، وما شابه ذلك؛ أو باقات ورد تكون مرتفعة على شكل عمودي ومثبتة بقطعة إسفنج أو سلَّة أو وعاء خاص، في عمليَّة جراحيَّة ناجحة، أو بيت جديد، أو منصب كبار الشخصيَّات، أو اعتذار، وما شابه ذلك؛ أو باقات ورود محمولة باليد بالمناسبات الوطنيَّة كالجندي المجهول؛ أو باقات ورد توضع على الطاولة خلف أو أمام كبار الشخصيَّات، وكذلك في مراسم وقاعات الزواج، نلاحظ أن اللون الأبيض يغطِّي على بقيَّة الألوان.

د. سعدون بن حسين الحمداني

دبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت