الأربعاء 29 يوليو 2026 م - 14 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

حظر استيراد الذهب السوداني.. إدارة للأزمة أم لحلها أم لتشريع التهريب؟

حظر استيراد الذهب السوداني.. إدارة للأزمة أم لحلها أم لتشريع التهريب؟
الثلاثاء - 28 يوليو 2026 05:00 م

طارق أشقر

10

يثير أحدَث قرار للاتحاد الأوروبي بحظر استيراد الذهب ذي المنشأ السوداني، ضمن حزمة عقوبات تستهدف الحدَّ من تمويل الحرب، نقاشًا واسعًا حول الآثار الحقيقيَّة المتوقعة لهذا القرار على الأزمة السودانيَّة، وتأثير ذلك على الاقتصاد السوداني وحياة الناس، خصوصًا وأن التعدين الأهلي للذهب أسهم في تعزيز قدرة قطاعات عريضة من الشَّعب السوداني على تحمُّل النتائج السالبة للحرب في مختلف مناطق البلاد.

وبقراءة سريعة لهذا القرار، يتبين أن فرضه من جانب الاتحاد الأوروبي في هذا الوقت يثير العديد من المخاوف من تداعياته المتوقعة، وذلك من خلال التساؤل عمَّا إن كان هذا القرار بمثابة أسلوب مستحدث لإدارة الأزمة السودانيَّة، أم محاولة صادقة للوصول إلى حل نهائي لها، أم أنه لتشريع عمليَّات تهريب الذهب وتوسيع شبكاتها.

المؤيدون لهذا القرار يرون أنه وسيلة لوقف الحرب إذا ما أدَّى تنفيذه بشفافيَّة إلى وقف تمويل شراء السلاح عبر استغلال إيرادات الذهب، مستندين في ذلك إلى أن الهدف المعلن من القرار هو تجفيف الموارد الماليَّة التي يعتمد عليها الطرفان: الجيش السوداني والدَّعم السريع.

أمَّا المعارضون له فهم يتناولونه من الناحية الاقتصاديَّة والسياسيَّة معًا. فمن الناحية الاقتصاديَّة، معروف بأن الذهب هو المورد التصديري الأهم لحكومة وشَعب السودان بعد فقدان عائدات النفط نتيجة لانفصال الجنوب، وبالتالي فإن إغلاق السوق الأوروبيَّة أمام الصادرات الرسميَّة للذهب سيقلص دور القنوات القانونيَّة الرسميَّة المعلنة، بينما تتزايد الحوافز أمام شبكات التهريب النشطة أصلًا بفعل الحرب وضعف الرقابة على الحدود.

وبالنتيجة، في مثل هذه الحالات لا يختفي الذهب من الأسواق العالميَّة، بل سينتقل إلى مسارات غير رسميَّة ليباع بخصومات كبيرة، بما يقود إلى إعادة تشكيل تجارة الذهب السوداني بصورة تخدم نتائج مختلفة، فضلًا عن مخاوف من استفادة الوسطاء والأسواق المستوردة من انخفاض الأسعار أكثر من تحقيق هدف وقف التمويل.

أمَّا سياسيًّا، فإن المنتقدين يرون أيضًا بأن القرار الأوروبي سيؤثر بدرجة أكبر على الحكومة السودانيَّة التي تعتمد على صادرات الذهب عبر القنوات الرسميَّة، في حين أن جزءًا من تجارة الذهب المرتبطة بمناطق سيطرة قوَّات الدَّعم السريع، ووفق تقارير دوليَّة، يعتمد منذ فترة على التهريب عبر الحدود الغربيَّة، وهو مسار قد لا يتأثر بالقدر نفسه بالحظر الأوروبي، حيث يستخدم الدعم السريع تلك الحدود بنشاط بالغ في تهريب كل من الذهب والصمغ العربي والمواشي.

لذلك فإن القرار سيغيِّر ميزان الموارد بين الطرفين بدلًا من تجفيفها بالكامل، وهو ما يفتح الباب أمام اتهامات بأنه يُمثِّل انحيازًا من الاتحاد الأوروبي لطرف دون الآخر، علاوة على أنه شكل من أشكال إدارة الأزمة أكثر من كونه خطوة لحلِّها.

وفي المقابل، يستند الاتحاد الأوروبي إلى رؤية مفادها أن تقليص الطلب الرسمي على الذهب السوداني، إلى جانب حظر الزئبق والسيانيد المستخدمين في التعدين، سيزيد تكلفة استمرار الحرب ويحدُّ من القدرة على تمويل عمليَّاتها العسكريَّة، متناسيًا، ولربما متغافلًا، عن حقيقة أن نجاح هذه المقاربة يظل مرتبطًا بقدرة المُجتمع الدولي على إغلاق منافذ التهريب، وهو أمر لم يتحقق حتى الآن وفق كثير من المراقبين، ولربما لن يتحقق طالما أن هناك شبهة حول عدم شفافيَّة المُجتمع الدولي في التعاطي مع الأزمة السودانيَّة.

لذلك يرى كثير من المراقبين بأن وقف الحرب لن يتحقق عبر حظر استيراد الذهب وحده، وإنما عبر معالجة جذور الصراع، وتشديد الرقابة على شبكات تهريب الذهب والسلاح، وممارسة ضغوط سياسيَّة ودبلوماسيَّة حقيقيَّة لوقف القتال ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة بحقِّ المَدنيين، وفق القانون الدولي، مثل عمليَّات القتل بدم بارد، وعمليَّات ضرب الأهداف المدنيَّة، مثل الكهرباء ومشروعات البنية الأساسيَّة، وترويع المواطنين في المُدن والقُرى وفي مُخيَّمات اللاجئين، وعمليَّات النهب، إلخ.

ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار الحظر بأنه أداة ضغط اقتصاديَّة، لكنه ليس بالضرورة الأداة الأكثر فاعليَّة لإنهاء الحرب طالما استمر المُجتمع الدولي في إدارة الأزمة بأساليب تؤدي إلى إطالتها، وبالتالي ينبغي على كافَّة السودانيين وضع الوطن في حدقات عيونهم عبر السَّعي الجادِّ للوصول إلى حلول جذريَّة للأزمة دون إقصاء لأحد ودون الارتكان إلى الحلول الخارجيَّة، مع ضرورة تجاوز الخلافات التي أقعدت السودان عن تبوؤ مكانته الاقتصاديَّة بين الأمم.

طارق أشقر

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»