الأحد 26 يوليو 2026 م - 11 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

مسرحية «بروفة يوم الحساب» مرحلة فنية تتجاوز الترفيه نحو الفن الملتزم بقضايا المجتمع

مسرحية «بروفة يوم الحساب» مرحلة فنية تتجاوز الترفيه نحو الفن الملتزم بقضايا المجتمع
الأحد - 26 يوليو 2026 02:50 م


دمشق ـ من وحيد تاجا:

بعد سنوات من الصمت القسري، افتتحت مؤخّرًا خشبة مسرح «الحمراء» في قلب العاصمة السورية (دمشق) ستارتها لتعلن ولادة مرحلة فنية تتجاوز الترفيه نحو الفن الملتزم بقضايا المجتمع، مسرحية «بروفة يوم الحساب»، للكاتب فارس الذهبي والمخرج ماهر صليبي، لا تقدم مجرد حكاية لثلاث شخصيات، بل تتحول إلى مختبر إنساني واجتماعي لمحاكمة مرحلة تاريخية بأكملها، طارحةً الثيمة الأكثر حساسية وإلحاحًا في سوريا اليوم: العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، وتنطلق الأحداث داخل قبو خياطة قديم ومظلم بدمشق، وهو اختيار سينوغرافي يحمل إحالة رمزية لدهاليز الاعتقال والزنازين التي سكنت ذاكرة الناجيات، وفي هذا الفضاء الخانق، تعمل امرأتان (يارا صبري «سما»، وروبين عيسى «ثريا») على ترميم فساتين قديمة، في استعارة بليغة عن محاولة السوريين لترميم حيواتهم المكسورة وتضميد جراح مجتمع شظته سنوات الحرب الطويلة، يتفجر هذا الهدوء المشوب بالحذر مع دخول رجل غامض (جابر جوخدار)، ليتحول المكان فجأة من مشغل للحماية إلى ساحة مواجهة ومحكمة أرضية تعيد إنتاج الصدمة، إثر الشك في أنه الجلاد الذي عذّبهما سابقاً داخل المعتقل، وتكمن القوة الفلسفية للعرض في نقل «العدالة الانتقالية» من قاعات المحاكم الجافة إلى الحيز الإنساني الخام، طارحةً سؤالًا مؤرقًا: كيف تتحقق العدالة عندما تُمحى الأدلة وتصبح الذاكرة والندوب الأرشيف الوحيد للجريمة؟ تتجلى هذه الجدلية عبر تباين مواقف الشخصيتين: «ثريا» الضحية التي يقودها وجعها النفسي والجسدي إلى يقين مطلق بالانتقام، و«سما» التي تتشبث باحتمالية البراءة وتصر على المحاكمة العادلة واحتكام القضاء، إيمانًا بأن القصاص الفردي خارج إطار القانون سيعيد إنتاج الاستبداد والظلم، ويرفض العرض تقديم إجابات جاهزة، تاركًا الجمهور أمام الأسئلة المعلقة: هل يكفي كشف الحقيقة لالتئام الجرح؟ وهل يمكن بناء مستقبل مشترك دون مواجهة الماضي؟ من جهة أخرى، يبتعد العمل عن تصوير الجلاد كوحش أسطوري خارج المجتمع، بل يقدمه كإنسان عادي صنعت المنظومة الاستبدادية عنفه وشرعنته، مما يستدعي فهم آليات الجريمة لضمان عدم تكرارها، دون تخفيف المسؤولية القانونية الفردية عن الجاني، إن التفاف الجمهور و(خاصة الشباب) حول العرض وملء القاعات يثبت تعطش السوريين لفتح مساحات آمنة تلامس قضاياهم المصيرية، لقد تجاوز العرض كونه حدثًا مسرحيًّا ليصبح «بروفة علنية» للوعي الجمعي وجلسة استماع وطنية مؤجلة للتفكير في كيفية العيش بعد الألم، والصرخة الختامية المؤثرة:«اتقوا غضب الأمهات»، لم تكن موجهة لسلطة بعينها، بل كانت نداءً للمجتمع ككل كي لا يسقط ملف المغيبين والمعتقلين والمفقودين من قائمة الأولويات الوطنية والإنسانية.

أثبتت «بروفة يوم الحساب» أن دور الفن في المجتمعات الخارجة من الأزمات هو تفعيل «وظيفة ما قبل العدالة»، عبر منح الضحايا صوتًا يعبر عن آلامهم، وتدريب المجتمع على الاعتراف والمواجهة قبل إصدار الأحكام، فلا عبور نحو مستقبل آمن ودولة قانون مستدامة دون النظر بجرأة في عيون الماضي وتفكيك كوابيسه.