لا غرابة في العنوان، فقد كان بالفعل الدجاج المثلج لأشهر، والقادم من خارج سلطنة عمان، هو الملجأ الأكثر تركيزًا من قبل شريحة من فئات المُجتمع؛ أقصد ـ وباختصار ـ مَن كان يصعب عليه شراء السَّمَك واللَّحم طوال الشهر لسدِّ حاجته الفطريَّة اليوميَّة من الطعام في وجبة الغداء خصوصًا.
كان صندوق (كرتون) الدجاج المثلج من (600) إلى (700) جرام بأقل من (6) ريالات عُمانيَّة، و(800) و(900) جرام ما بين (7) و(9) ريالات تقريبًا، بحسب بعض الأنواع، وفي المجمل كان وسيلةً لسدِّ الجوع لأفراد الأُسرة البسيطة من حيث الدخل لبعض الأيَّام، قد تصل إلى (8) أيَّام أو أقل بحسب أفراد الأُسرة وقدرة ربَّة المنزل على تقسيم ذلك الصندوق (الكرتون) على أيَّام الأسبوع وما يمكن أن تضيف إليه من مُكوِّنات أخرى، هذه الأخرى لحقت بموجة الغلاء لتخلو بعض الأطعمة الرئيسة من بعض المُكوِّنات التي كان يستخدمها البعض في وجبة الغداء والعشاء؛ لأنَّ سعرها قد تضاعف. على العموم، إن ذلك الملجأ، أقصد الدجاج من (600) إلى (700) جرام، وصل سعره بعد موجة الغلاء التي تسببت بها الحرب الحاصلة اليوم ما بين (8) إلى (9) ريالات، وغير ذلك من الأوزان وصل إلى (14) ريالًا، هذا إذا وجدت أصلًا أوزان خفيفة يمكن لتلك الأُسر شراؤها! وهنا نطرح السؤال التالي: ماذا يأكل الفقراء وأصحاب الدخول البسيطة بعد ارتفاع أسعار الدجاج المثلج الذي كان الملجأ للبعض؟ طبعًا الجواب سيكون ذاته: الدجاج المثلج، ولكن سيتمُّ شراؤه بأسعاره الجديدة المرتفعة؛ لأنَّه لا مفرَّ منه سوى إليه.
وفي هذا السياق، أستعيد ذكريات الثمانينيَّات والتسعينيَّات من القرن الماضي لبعض أنواع الأسماك الصغيرة التي كان الصيَّادون، وبعد اصطيادها من البحر، يعيدونها إليه تعففًا ولعدم إقبال الناس على شرائها لصغر حجمها، أو تُرمى على الشاطئ أو تُحوَّل إلى سماد للزراعة، والتحوُّل الذي حصل نتيجة ارتفاع الأسعار، وكيف أصبحت تلك الأسماك الصغيرة ملجأً للكثير من الأُسر؛ لأنَّها تباع بأسعار يصل الكيلوجرام منها إلى ريال أو ريال ونصف الريال، وإني أعلم أُسرًا تقسم هذا الكيلو إلى وجبتين أو ثلاث في بعض الأوقات.
فسبحان الله، كيف تتسبب الحروب والصراعات بمثل هذا النَّوع من التحوُّلات في حياة البشريَّة؟ وكيف تؤدي الحروب إلى انتزاع الأمن والطمأنينة والسكينة حتى في أبسط مُكوِّناتها وأسبابها؟ ولعلَّ أكثر المتضررين من هذا النَّوع من الكوارث هم البسطاء والفقراء والذين لا دخل لهم فيها، يقول الله عزَّ وجلَّ:(وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)، (صدق الله العظيم).
إنَّ إدارة مسألة الأمن الغذائي في زمن الحروب والصراعات لا تتحقق بتوافر الغذاء فقط، بل كذلك من حيث قدرة فئات المُجتمع على الحصول على ذلك الغذاء؛ فيجب الالتفات إلى التحوُّل في حياة أفراد المُجتمع من حيث قدرتهم على توفير لُقمة العيش اليوميَّة لأفراد أُسرهم، بالإضافة إلى توافر تلك السِّلع بأسعار مناسبة لمختلف أفراد المُجتمع، فليس كل الأفراد قادرين على شراء متطلبات حياتهم اليوميَّة في زمن الحروب والصراعات.
اذن نقول: إن ارتفاع الأسعار مسألة غاية في الخطورة؛ لأنَّها لا تؤثِّر في الكماليَّات أو السِّلع غير الأساسيَّة لحياة الأفراد، بل تدخل في صلب حياتهم ومعيشتهم اليوميَّة، ولا شك في أنَّ الطعام والشراب يقعان في صلب تلك الاحتياجات الأساسيَّة، فكيف يمكن لبعض الأُسر أن تحصل على طعامها اليومي إذا كانت عاجزةً أصلًا عن شراء تلك السِّلع نظرًا لارتفاع أسعارها، حتى تلك الرخيصة منها، مثلما كان الدجاج المثلج طعامًا لمن لا طعام له؟.
محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
MSHD999 @