تتحدَّد قِيمة الاستثمار بما يضيفه إلى الاقتصاد من قدراتٍ جديدة، وما يُحقِّقه من أثرٍ يمتدُّ إلى ما هو أبعد من العائد المالي المباشر، والدول التي تسعى إلى بناء اقتصادات أكثر تنافسيَّة تحرص على توجيه استثماراتها نحو المجالات القادرة على تعزيز مكانتها الاقتصاديَّة والعلميَّة، وتعمل في الوقت نفسه على استقطاب رؤوس الأموال التي ترفع القِيمة المضافة للاقتصاد الوطني؛ لذا تمضي سلطنة عُمان في مسارٍ استثماري واضح، يجمع بين توسيع حضورها في الأسواق العالميَّة عبر استثمارات نوعيَّة يقودها جهاز الاستثمار العُماني، وتعزيز قدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبيَّة إلى الداخل، في صورة تظهر تكاملًا بين الاستثمار الخارجي والداخلي لتحقيق مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، وترسيخ اقتصادٍ أكثر تنوعًا واستدامة.
إنَّ استثمارات جهاز الاستثمار العُماني في منظومتَي كامبردج كابيتال للابتكار وأكسفورد للمشروعات العلميَّة تقدِّم نموذجًا يوضِّح هذا التوجُّه، فهي تضع سلطنة عُمان بالقرب من البيئات التي تُنتج المعرفة وتصنع التقنيَّات الحديثة، وتتيح لها الاطلاع المباشر على أحدَث ما توصَّلت إليه الصناعات المستقبليَّة في مجالات الحوسبة الكميَّة، والتقنيَّات الصحيَّة، والعلوم الحيويَّة، والرقائق الإلكترونيَّة، فتلك القطاعات أصبحت من أسرع القطاعات نُموًّا على مستوى العالم. كما تُمثِّل أساسًا لاقتصادات المعرفة التي تتنافس الدول على ترسيخ حضورها فيها، ويكتسب التوجُّه الجديد أهميَّة كبيرة؛ لأنَّه يفتح المجال أمام نقل الخبرات والتقنيَّات، وبناء شراكات مستقبليَّة، والاستفادة من التجارب العالميَّة في تطوير القطاعات الواعدة داخل سلطنة عُمان، إلى جانب تحقيق عوائد استثماريَّة مستدامة لمحفظة الأجيال التي يديرها الجهاز في أكثر من خمسين دولةً حول العالم.
ولعلَّ استمرار تدفُّق الاستثمارات الأجنبيَّة إلى سلطنة عُمان يؤكِّد نجاح السياسات الاقتصاديَّة التي ركَّزت على تطوير بيئة الأعمال، وتحديث التشريعات، وتبسيط الإجراءات، وتقديم منظومة متكاملة لخدمة المستثمر. وتُظهر الأرقام هذا النجاح بوضوح، فقد ارتفع رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر إلى (32.2) مليار ريال عُماني بنهاية الرُّبع الأول من عام (2026)م، مُحقِّقًا نموًّا بنسبة (8.7) بالمئة، فيما بلغتِ التدفُّقات الاستثماريَّة الجديدة (2.5) مليار ريال عُماني خلال الفترة نفسها، كما نجحت منصَّة «استثمر في عُمان» خلال النصف الأول من العام الجاري في توطين ثمانية مشروعات استثماريَّة نوعيَّة بقِيمة تجاوزت (460) مليون ريال عُماني، مع تطوير (22) فرصةً استثماريَّة جاهزة، واستهداف (150) شركةً عالميَّة، فيما بلغ إجمالي المشروعات التي أسهمت المنصَّة في توطينها منذ عام (2023)م خمسةً وأربعين مشروعًا بقِيمة استثماريَّة وصلتْ إلى أربعة مليارات ريال عُماني، وهي نتائج تؤكِّد تطوُّر منظومة الترويج الاستثماري، وارتفاع كفاءة العمل المؤسَّسي في استقطاب الاستثمارات النوعيَّة.
إنَّ الاستثمار الذي ينسجم مع الأهداف الاستراتيجيَّة للدَّولة يتجاوز حدود العائد المالي؛ لأنَّه يُسهم في بناء اقتصادٍ قائم على المعرفة، ويرفع القدرة التنافسيَّة، ويُعزِّز المحتوى المحلِّي، وينقل التقنيَّات الحديثة، ويخلق فرص عمل نوعيَّة، ويدعم القطاعات التي تُمثِّل ركيزةً للتنويع الاقتصادي، وعندما تتكامل الاستثمارات الخارجيَّة التي تفتح أبواب المعرفة والتكنولوجيا مع الاستثمارات الأجنبيَّة التي تضيف مشروعات جديدة إلى الاقتصاد الوطني، فإنَّ الناتج يكون أكثر من نُمو اقتصادي، فهو بناء لقدراتٍ وطنيَّة تمتلك مُقوِّمات الاستمرار، وتعزيز لمكانة سلطنة عُمان بوصفها مركزًا إقليميًّا جاذبًا للاستثمار، واقتصادًا قادرًا على تحقيق التنمية المستدامة وصناعة قِيمة مضافة تمتدُّ آثارها إلى الأجيال القادمة.