في الوقت الذي تعاني فيه أوروبا ومعظم دول العالم من درجات حرارة قياسيَّة وحرائق غابات غير مسبوقة، تقف محافظة ظفار واحةً خضراء متفردةً تزيِّن جنوب الجزيرة العربيَّة، حيث تشهد المحافظة طقسًا ربيعيًّا ودرجات حرارة منخفضة؛ بفضل الرياح الموسميَّة القادمة من بحر العرب وخليج عدن، في ظاهرة مناخيَّة فريدة، تتشكل فيها السُّحب المنخفضة، لتمتزج مع الضباب وزخَّات الرَّذاذ على السواحل والمرتفعات، وتكتسي الجبال والسهول بثوب أخضر يزيِّن رُبوع ظفار خلال الفترة الممتدَّة من (20) يونيو إلى (20) سبتمبر، في الوقت الذي تعاني فيه دول الجزء الشمالي من الكرة الأرضيَّة من ارتفاع معدَّلات الرطوبة ودرجات حرارة تتعدى الأربعين.
يأتي «موسم الخريف» هذا العام بحلَّةٍ جديدةٍ وبرنامجٍ حافلٍ يتضمن أكثر من مائة فعاليَّة موزَّعة على عدد من المواقع والولايات، تقدِّم تجربةً استثنائيَّة تمزج الطبيعة الساحرة بالفعاليَّات الثقافيَّة والفنيَّة والرياضيَّة والترفيهيَّة، ليتحول الضَّباب والرَّذاذ والأودية الجارية وعيون المياه والشلالات المتدفقة إلى جزء من البرنامج اليومي للزوار، يمنحهم تجربةً فريدةً يصعب الحصول عليها في أيِّ مكان بالعالم، بعد إضافة عدد من المزارات السياحيَّة العصريَّة التي تُلبِّي احتياجات الشَّباب، وتتواكب مع تطلُّعاتهم، ومناطق خاصَّة بالعائلات تجمع بين الرياضة والترفيه والتسوق.
كما تمَّ تخصيص مساحات آمنة يمارس فيها الأطفال أنشطتهم، عبر فعاليَّة «وقت الطفل» بفقرات تجمع بين التعليم والترفيه وتنمية المهارات التي تخاطب وجدان الطفل وتضعه على أعتاب المستقبل، حيث تضمُّ مُدنًا تعليميَّة متخصصةً، مثل: مدينة الطيَّارين والمدينة الهندسيَّة، ومدينة المستقبل، ومدينة المواهب وجامعة الأطفال، ومدينة الانضباط العسكري، كما تتضمن عروضًا للألوان فوق البنفسجيَّة، ورجال الفضاء والمعلم الترحيبي، الأمر الذي يمنح الطفل فرصةً لخوض تجارب عمليَّة تُحفِّز الإبداع وتُنمِّي روح الاكتشاف، وترسم ملامح طموحاته المستقبليَّة في بيئة ممتعة وآمِنة.
كما يحافظ «موسم ظفار» منذ انطلاقه على حضوره التراثي، بإطلاق فعاليَّات تعيد إحياء تفاصيل الحياة العُمانيَّة في الماضي، من خلال المنتجات والسِّلع التي تعرضها الأسواق التراثيَّة، والحِرف العُمانيَّة التقليديَّة، وعروض الفنون الشَّعبيَّة، التي تجسِّد العادات والتقاليد العُمانيَّة الأصيلة، وتتيح للزوار فرصة معايشة تفاصيل الحياة كما كانت في الماضي، في مسعى لتعزيز الهُويَّة الوطنيَّة وربط الأجيال الحديثة بتاريخ الأجداد، والحفاظ على التراث الحضاري.
وموسم الخريف فرصة لتنشيط الرواج الاقتصادي، حيث تمَّ تخصيص مساحات واسعة لعددٍ كبير من أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والشركات والمؤسَّسات الوطنيَّة، لعرض منتجاتها من العطور والبخور واللبان الظفاري الشهير، والخنجر العُماني والملابس التقليديَّة، والأعمال الحِرفيَّة التي تجمع بين الأصالة واللَّمسات العصريَّة.
وقد صاحَبَ موسم هذا العام برنامج فنِّي عالمي، تضمَّن عروضًا استعراضيَّة وكرنفالات وأكروبات واستعراضات مائيَّة، أضْفَت أجواءً احتفاليَّة على أيَّام وليالي المهرجان، وأتاحت للزائر خيارات متعددة تتناسب مع كافة الأذواق، بجانب البطولات والفعاليَّات الرياضيَّة التي تتيح فرص المشاركة للشباب العُماني للمنافسة في مختلف الرياضات، كما يجمع المهرجان نخبةً من التشكيليين والنحَّاتين من مختلف دول العالم للتنافس في تقديم الأعمال الفنيَّة المستوحاة من الطبيعة، ويتيح للفِرق المسرحيَّة العربيَّة والدوليَّة تقديم عروضها المسرحيَّة التي تثري الحراك الثقافي وتضيف للتجارب الفنيَّة بُعدًا دوليًّا.
كما تمتد فعاليَّات الموسم هذا العام إلى عدد من ولايات محافظة ظفار؛ مرباط وطاقة وسدح، بفعاليَّات متنوعة تبرز المُقوِّمات الطبيعيَّة والسياحيَّة لكل ولاية، وتتيح للزوار فرصة اكتشاف المزارات المتميزة التي تشتهر بها هذه الولايات، من شواطئ وجبال وأسواق ومواقع تراثيَّة، لتجعلَ الرحلة أكثر ثراءً، وتروِّج للحركة السياحيَّة في كل ولاية.
محمد عبد الصادق
كاتب صحفي مصري