«متى يستريح الإنسان في هذا العالم الحافل بالمعاناة.. والآلام وجفاء المشاعر؟!»
يشار إلى المعاناة، على أنها «تجربة شخصيَّة يشعر بها من يعاني بعدم السعادة، مردُّها إمَّا إلى مسبِّب مادِّي كالألم الجسمي، أو قد تكون بسبب نفسي كالمشاكل الحياتيَّة المختلفة...». ومنذ بدء الخليقة والمعاناة لصيقة بحياة الإنسان، والشقاء مصاحب له لا يكاد يفارقه، فالمرض والألم والعجز والشيب وفراق الأحبَّة وأشكال من الظلم والضغوطات النفسيَّة... كلها تسبِّب الحزن والوجع وتطفئ البهجة وتسلب السَّعادة، وكلَّما تجاوز محنة من المِحن التي تقذفها السَّاعات والأيَّام في مَسيرته تعيقه برهة من الزمن ويسترد أنفاسه، تفاجئه أنواع جديدة في محطَّات لا تتوقف، تتأجل الأحزان عن البعض وتمهل آخرين سنوات وعقودًا وتتواتر وتضغط وتقسو على الكثيرين، ولا يملك الإنسان الكثير من الخيارات والمكنات أمام المرض والموت والشيب وما كان أساسيًّا ولصيقًا بقانون وطبيعة المَسيرة البشريَّة، وأمرًا مقدرًا في جينات الناس الوراثيَّة.. إلَّا ما استطاع الطِّب أن يعالجه ويجد له دواءً شافيًا له.. ويُقال بأنه على المرء أن «يعاني حتى يشعر بمعاناة الآخرين»، وبأن المعاناة مرتبطة بالحياة وجزء أساس منها، فلكي «نبقى على قيد الحياة علينا أن نجد معنى في المعاناة»، والعلاقة الوثيقة بخالق الكون والإنسان، رب العزَّة جلَّ جلاله، والثقة في قضائه وقدره، وإصلاح الجانب الروحي وتعبئته بالإيمان والشعائر الدينيَّة، وتعزيز الجانب الإيجابي والتفاؤل في النفس والتعاطف الإنساني، هي كذلك من أعظم العلاجات وأكثرها نجاحًا في خدمة الفرد وإصلاح أحواله وبث الطاقة المحفِّزة والوقائيَّة والمخففة والمعالجة لتأثيرات المعاناة وفواجعها وآلامها... وقد قيل بأن «التعاطف الإنساني يربطنا ببعضنا ليس بالشفقة أو بالتسامح، ولكن كبَشَر تعلموا كيفيَّة تحويل المعاناة المشتركة إلى أمل للمستقبل»، فالعالم سيبقى باستمرار «مليئًا بالمعاناة، وأيضًا مليئًا بالانتصار»، فالإنسان بطبيعته لا يستسلم، يظل يقاوم ويصارع ويقارع من أجلِ حقِّه وحُريَّته وكرامته وصحَّته وإنسانيَّته، للتغلب على المعاناة والانتصار عليها... النوع الثاني من المعاناة التي يتناولها هذا المقال، مرجعها ومردها إلى الإنسان نفسه، ما تنتجه شروره وآثامه وأعماله المشينة وسياساته الظالمة وأفعاله القبيحة في حق أخيه وقرينه والمشترك معه في الإنسانيَّة، من ظُلم وتسلُّط واستعباد وقهر وسَلب للحقوق واستعمار وقتل ممنهج ومذابح يندى لها الجبين.. من قِبل أنظمة سياسيَّة ديكتاتوريَّة وسياسات دول عظمى ومافيا أثرياء ورجال أعمال حول العالم، مقرونةً بأمثلة من دول عربيَّة وغير عربيَّة على امتداد هذا العالم، مع ما يصحبها من فقر مدقع وهجرة مجبرون عليها... فالقاعدة التي تبلور حياة البشر وتصبغ مَسيرتهم وتهيمن على ثقافتهم وممارساتهم وتسود صفحات تاريخهم، في كل زمان ومكان، أن الفئة والجماعة الأقوى والأشد بأسًا والأعظم نفوذًا والأكثر مالًا، تؤسِّس للهيمنة والسيطرة والتفوق واستعباد الشرائح المهمشة والسَّواد الأكبر من الفقراء والبائسين والمحتاجين ووضعهم تحت الاستعمار والرِّق الذي يتطور وتختلف صوَره مع الأيَّام... وفي كل مكان نذهب إليه مسافرين زائرين في تطواف لا يتوقف بين المُدن، نرى ونلمس ونطلع على معاناة الإنسان في الأسواق والأحياء الفقيرة والمناطق المهمَّشة التي تفتقر إلى أبسط مُقوِّمات الحياة الإنسانيَّة الكريمة، حيث ينتشر الفقر والجهل والمُشْكلات الاجتماعيَّة العميقة وتتحطم الأحلام والآمال، ولا يستطيع الأطفال أن يحصلوا على التعليم والعلاج والأساسات التي تبثُّ فيهم الفرح والسَّعادة والسَّلام الداخلي والشعور بجمال الحياة... وأذكر عندما زرتُ مدينة «هانوي»، عاصمة فيتنام، وتجولتُ في أزقَّتها القديمة وأحيائها الفقيرة، وصفت المشهد موثقًا تلك اللحظة الصادمة، العالم القابع في المستنقع: «... المعاناة والفقر والحياة الشَّاقة، البيوت المهترئة والأحياء الهشَّة الأقلّ من متواضعة الَّتي يصعب وصفها ببيوت وأحياء، إنَّها أقلّ من ذلك بكثير، عشرات الآلاف من البَشَر، يتدافعون في الشَّوارع والطُّرق ويزاحمون بعضهم بعضًا للحصول على لقمة العيش وممرٍّ يؤمِّن لهم سلامة الوصول إلى الشَّاطئ الآخر بأمان، يتوجَّهون إلى أعمالهم ومِهنهم وتجارتهم وقضاء حاجاتهم، وبعض الأعمال الشَّاقة المُهينة المؤلمة إنسانيًّا، ووضع مزرٍ أراه بعيني، وموقف محزن يستوقفني فأتساءل: هل تستحقُّ هذه الحياة أن تعاش؟ وهل هي حياة أم موت بطيء يستنزف الأجساد تدريجيًّا قَبل حلول الموت؟ إنَّها حياة تقتل صاحبها كُلَّ لحظة وثانية، فهي إذن أسوأ من الموت...». وشقاء الإنسان في معظمه سببه الإنسان نفسه، كما نراه ونلمسه واقعًا معاصرًا، ونقرؤه تاريخًا ماضويًّا، فالتآمر وسلب حقوق الآخر وإيقاع الظلم والتكبر والغطرسة وما نطلق عليه «سُمو العِرق» والقطيعة والتكفير وإخراج من نختلف معه من الملة والمذهب والعقيدة والجنسيَّة... جميعها تسبِّب المعاناة والشقاء وتدمِّر مَن تقع عليه هذه الممارسات، فالشخص القوي النافذ الوجيه صاحب الأموال يتآمر على الفقير كي يسلبه أرضه أو حقَّه أو منزله بأبخس الأثمان بوسائل وطُرق متعدِّدة، تمزج بين المكر والخديعة والتهديد والمعلومة المغلوطة والوعود المعسولة والإيذاء المستمر بالكلام والفعل وممارسة الضغوط إلى أن يستسلم ويتنازل عن حقِّه، والدول القويَّة تتآمر على الضعيفة لتحقيق مآربها ومنافعها السياسيَّة والاقتصاديَّة، وتسمين خزائنها وتقوية نفوذها وتعميق استبدادها، وما الحروب الشرسة المدمَّرة التي تفتعل بين الدول، والصراعات الداخليَّة والنزعات الطائفيَّة والمقاطعات الاقتصاديَّة، واتهام دول بِعَيْنها بأنها مارقة وتمتلك السِّلاح النووي وتتدخل في شؤون الآخرين وتمارس القمع والديكتاتوريَّة في حق شَعبها، إلَّا نموذج لهذه السياسة التآمريَّة المزدوجة التي تقودها الدول العظمى فتنهك شعوبًا ودولًا ضعيفة وتفككها وتفتتها إلى إمارات وطوائف ودويلات لِكَيْ تواصل المزيد من الاستنزاف والنَّهب تتجدد بتجدُّد الزمان، أمَّا أقسى أنواع المعاناة وأشدُّها تدميرًا للنفس وتفجعًا، والتي تُعَدُّ نموذجًا في العصر الحديث للقهر والظلم وضعف الحيلة، فهي معاناة سكَّان غزَّة الذين يتجرعون الذُّل والمهانة، ويتعرضون لكل صنوف العذاب وصوَر التنكيل ومشاهد الخزي والعار الإنساني من مذابح وسلب للأرواح وقتل لكل أنواع الحياة وسفك للدماء، وتوجيه الآلات العسكريَّة المرعبة لإبادة الأطفال والنساء والشيوخ والمَرضى وذوي الإعاقات ممَّا نراه ونعيشه واقعًا.. ويجابهه أهل غزَّة بالصمود والإيمان والأمل وإرادة أصلب من الحجارة وتصميمًا ثابتًا شامخًا شموخ الجبال لاسترداد وتحرير وطنهم ومقدَّساتهم وإنسانيَّتهم وحُريَّتهم، ومن معاناتهم تتعلم اليوم شعوب الأرض معاني المعاناة ودلالاتها العظيمة.
سعود بن علي الحارثي