لم يكُنِ الثالث والعشرون من يوليو من عام (1970)م محطةً تاريخيَّة عابرةً في مَسيرة النهضة العُمانيَّة الحديثة، بل شكَّل نقطةَ تحوُّل مفصليَّة أرسَتْ أُسُس بناء المواطنة بوصفها مشروع عُمان للمستقبل، فقد جعلتِ النهضةُ الإنسانَ محورَ التنمية وغايتَها، والوطنَ غاية البناء، والوطنيَّة أساسًا للمشاركة والمسؤوليَّة.
وانطلقت النهضة العُمانيَّة برؤية استراتيجيَّة وإرادةٍ راسخةٍ، رسَّخت مفهوم المواطنة باعتباره قاعدة البناء الوطني، وأحَد أهمِّ مرتكزات الاستقرار والتنمية، وقد جمعت بين الحفاظ على الثوابت الوطنيَّة والانفتاح على متطلبات العصر، لتؤسِّسَ نموذجًا تنمويًّا متوازنًا في بناء المواطنة المسؤولة، يقوم على الحكمة والاعتدال، ويجعل من المواطنة نهجًا وطنيًّا متجددًا يرتكز على المسؤوليَّة والمشاركة، والولاء والانتماء، والتطوير والتقدُّم، مع صون الهُويَّة الوطنيَّة وترسيخ قِيَم الأصالة والمعاصرة، وإدارة الحاضر واستشراف المستقبل، بما يضمن استمرار أثره في بناء الأجيال وتعزيز الهُويَّة الوطنيَّة.
وتقوم المواطنة في هذا النهج على علاقةٍ متوازنةٍ بين المواطن والوطن؛ فالوطن يكفل الحقوق ويصون الكرامة، والمواطن يقابل ذلك بأداء الواجب وتحمُّل المسؤوليَّة والعمل من أجلِ الصالح العام؛ لذلك تُمثِّل منظومةً متكاملةً من القِيَم والسلوكيَّات التي تعكس الولاء لجلالة السُّلطان، والانتماء للوطن، والالتزام بقوانينه، والإسهام في تقدُّمه والمحافظة على مكتسباته، ومن هذا المنطلق أصبحت المواطنة ركيزةً أساسيَّة في بناء الدولة العُمانيَّة الحديثة، وعاملًا رئيسًا في تعزيز الوحدة الوطنيَّة والتَّماسُك المُجتمعي، مستندةً إلى بناء دولة المؤسَّسات، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز الأمن والاستقرار، وتوفير مُقوِّمات التنمية الشاملة.
كما أوْلَتِ النهضة اهتمامًا بالغًا ببناء الإنسان، انطلاقًا من قناعةٍ راسخة بأنَّ التنمية الحقيقيَّة تبدأ ببناء الإنسان علمًا وفكرًا وسلوكًا؛ لذلك جاءت السياسات الوطنيَّة والخطط التنمويَّة متَّجهةً إلى تطوير التعليم والصحَّة والبنية الأساسيَّة والاقتصاد، بما يُحقق الحياة الكريمة للمواطن ويُعزِّز قدرته على الإسهام في بناء وطنه. فتوسَّعت مؤسَّسات التعليم والصحَّة والرعاية الاجتماعيَّة، وتعزَّزت الفرص أمام المواطن لاكتساب المعرفة وتنمية المهارات، ليكون قادرًا على مُواكبة المتغيِّرات والإسهام بفاعليَّة في مَسيرة التنمية، ولم يكُنِ الهدف من ذلك تحسين مستوى المعيشة فحسب، بل إعداد مواطنٍ واعٍ يمتلك القدرة على المشاركة الفاعلة وتحمُّل المسؤوليَّة، ويؤمن بأنَّ تقدُّمه الشخصي جزءٌ لا يتجزأ من تقدُّم وطنه.
وقد رسَّخت نهضة الثالث والعشرين من يوليو مبدأ التكامليَّة في الحقوق والواجبات؛ فلا تستقر الحقوق دون قيام المواطن بمسؤوليَّاته، كما لا تؤدَّى الواجبات في غياب العدالة والمساواة وسيادة القانون؛ ولذلك عملت الدولة على بناء منظومةٍ تشريعيَّة ومؤسَّسيَّة تكفل الحُريَّات المضبوطة، والحقوق المَدنيَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة، وتتيح للمواطن فرصًا أكبر للمشاركة في التنمية وصنع المستقبل، في إطارٍ من المساواة بين جميع المواطنين، واحترام إنسانيَّة الإنسان وصيانة حُريَّاته التي يكفلها النظام الأساسي للدولة، وفق عقيدةٍ وطنيَّة انتصرت للمبادئ والقِيَم، وجعلت منها منطلقًا للبناء، ومحددًا للنجاح، وأولويَّة للتطوير.
ومن هنا أصبحت المواطنة ممارسةً عمليَّة تقوم على التوازن بين الحقوق والواجبات، والشراكة في التنمية، والمشاركة المُجتمعيَّة الواعية، وبناء دولة المؤسَّسات، وتحمُّل المسؤوليَّة، والعمل بإخلاصٍ من أجلِ رفعة الوطن، وقد أسْهَم هذا النهج في ترسيخ قِيَم العدالة والمساواة، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسَّسات الدولة، وإيجاد بيئة قائمة على احترام الحقوق وصيانة الكرامة الإنسانيَّة، الأمر الذي انعكس إيجابًا على الاستقرار الاجتماعي والسياسي، ورسَّخ الشعور بالانتماء والمسؤوليَّة المشتركة تجاه الوطن، وعزَّز ثقافة المشاركة في مختلف مجالات التنمية، وجعل المواطن شريكًا أصيلًا في المحافظة على المنجزات الوطنيَّة وضمان استدامتها.
ونجحت النهضة، في ظل تكامليَّة البُنى التنظيميَّة والمؤسَّسيَّة والتشريعيَّة ومرتكزات النظام الأساسي للدولة ومبادئه، في إعادة صياغة العلاقة بين المواطن والدولة على أساس المشاركة والثقة والاحترام المتبادل، فأصبح المواطن شريكًا في التنمية وصانعًا للإنجاز. وأصبحت المشاركة المُجتمعيَّة إحدى ركائز المواطنة المسؤولة، وعبر بناء التنمية الوطنيَّة الشاملة واستدامتها على شراكةٍ حقيقيَّة بين مؤسَّسات الدولة والمُجتمع، مع حضورٍ فاعلٍ للقطاع الخاص ومؤسَّسات المُجتمع المَدني، بما يُعزِّز روح المبادرة والعمل الجماعي والتكافل الاجتماعي، فالمواطن شريكٌ في البناء، ومسؤولٌ عن المحافظة على المنجزات، والإسهام في تطويرها، والالتزام بكل ما يُحقق المصلحة العامَّة، الأمر الذي يسهم في تعميق حسِّ المواطنة والانتماء للوطن، ويجعل التنمية مسؤوليَّة مشتركةً بين الجميع.
هذا الأمر عزَّز ـ في المقابل ـ من ترسيخ الوعي الفكري وتوجيه منظومات التعليم والثقافة والمسؤوليَّة الاجتماعيَّة نحو خلق تناغمٍ بين مسار التطوير الذي شهدته هذه المنظومات، مراعيًا الاحتياج المُجتمعي والتطوير الحاصل في مختلف المجالات، ودخول التقنيَّة في إطار حوكمة هذا المسار؛ حيث أوْلَتِ النهضة اهتمامًا ببناء الإنسان الواعي، القادر على التعايش والحوار واحترام التنوع، من خلال منظومةٍ تعليميَّة وثقافيَّة عزَّزت قِيَم الاعتدال والتسامح والانفتاح، وهي قِيَم أصيلةٌ في الشخصيَّة العُمانيَّة، انعكست في سلوك المُجتمع وفي مكانة سلطنة عُمان إقليميًّا ودوليًّا.
كما استطاعت نهضة الثالث والعشرين من يوليو أن تؤسِّسَ إطارًا وطنيًّا للعلاقة بين الثوابت والمستجدَّات وصناعة التحوُّلات في ظلِّ عالم متغيِّر وأحداث متسارعة، فواءمت وفق منهجيَّات فريدة، وأدوات محكمة، وأُطرٍ مقنّنة، وحكمة سديدة، وقراءة عميقة للشخصيَّة العُمانيَّة بين الأصالة والمعاصرة، فحافظت على الهُويَّة الوطنيَّة والقِيَم العُمانيَّة، وأصَّلتِ السَّمت العُماني النابع من جوهر القِيَم والأخلاق الإنسانيَّة الرَّاقية، وفي الوقت نفسه انفتحت على منجزات العِلم والمعرفة والتقنيَّة، بما يخدم أهداف التنمية المستدامة ويُعزِّز تنافسيَّة الوطن. وقد انعكس ذلك في النجاحات التي حققها العُمانيون في مختلف المجالات العلميَّة والثقافيَّة والاقتصاديَّة والدبلوماسيَّة.
وأسَّست سلطنة عُمان ـ في إطار السياسة الخارجيَّة المتوازنة التي عزَّزت مكانتها الإقليميَّة والدوليَّة، ونالت احترام العالم ـ نهجًا قائمًا على عدم التدخل في شؤون الغير، وتأكيد مبدأ الحوار والتكامل الإنساني والمشتركات، وحق الشعوب في تقرير المصير، والدعوة إلى تعزيز السَّلام والحوار والتنمية والتعايش، والالتزام بالحوار والوسائل السلميَّة في معالجة القضايا الدوليَّة. وقد أكسب هذا النهج عُمان مكانةً راسخةً باعتبارها دولةَ سلامٍ، وصاحبةَ دبلوماسيَّةٍ حكيمة تحظى بالثقة والاحترام، وتُسهم في تقريب وجهات النظر، وتعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي.
لقد أصَّلت نهضة الثالث والعشرين من يوليو قِيَم المواطنة، وعزَّزت مبادئها التي حافظت على درجة التوازنات في قراءة العُمق الإنساني بين الحقوق والواجبات، والتمكين والمشاركة، والاحتواء والإدارة الواعية، ورسَّخت مفهوم المواطنة باعتباره ركيزةً للاستقرار والتنمية؛ حيث أصبح الولاء للوطن مقرونًا بالعمل المنتج، والالتزام بالقانون، والمحافظة على المكتسبات الوطنيَّة، والإسهام في تطوير المُجتمع. وجسَّدت المواطنة المسؤولة منظومةً متكاملة من القِيَم والمسؤوليَّات المشتركة التي تتطلب من الجميع المحافظة عليها وتعزيزها.
وأصبحت هذه المبادئ التي قامت عليها المواطنة العُمانيَّة، في عمقها واتساعها ووضوحها وارتباطها بالإنسان، وتأكيدها لفلسفة البناء المتوازنة، مرتكزاتٍ عمليَّة أصَّلها النظام الأساسي للدولة، وأطَّرتها مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، وأكَّدتها كل القوانين السَّارية، وكان لها حضورها في اختصاصات المؤسَّسات، لتستمرَّ هذه المبادئ في دعم مَسيرة التنمية المتجدِّدة، منهجًا راسخًا في التنمية والتطوير والتجديد، ومرتكزًا لمنظومات الدولة ومؤسَّساتها في الإدارة والاستثمار في الموارد وتقديم الخدمات، وإعادة هندسة السلوك المؤسَّسي ليتوافق مع إنسانيَّة النهضة وأولويَّة العمل الوطني، قائمًا على وضوح الرؤية، وحُسن استثمار الموارد، وبناء الإنسان، وترسيخ المواطنة، وتعزيز الشراكة بين الدولة والمُجتمع، بما يُحقق التنمية المستدامة ويحفظ مكانة عُمان بين الأمم.
إنَّ قراءة ما يحمله هذا التاريخ في مسار بناء المواطنة العُمانيَّة تحمل في دلالاتها دروسًا متعلمةً للأجيال القادمة في تجديد عهد الوفاء للوطن والولاء لجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم، وتجديد الالتزام بقِيَم الوطن والمواطنة، وتعزيز روح المسؤوليَّة والعمل والإبداع والالتزام، وإتاحة الفرص أمام الجميع للمشاركة البناءة والفاعلة عبر برامج التمكين في بناء الحاضر وصناعة المستقبل، بما يضمن استمرار مَسيرة البناء والتقدُّم، ويجعل الإنسان العُماني دائمًا محور التنمية وغايتها، ويؤكد أن قوَّة الأوطان تبدأ من قوَّة مواطنيها، ووحدة صفهم، وإيمانهم برسالتهم الوطنيَّة، وحرصهم على أن تبقى عُمان نموذجًا في الحكمة والسَّلام والتنمية.
أخيرًا، سيظل الثالث والعشرون من يوليو التاريخَ الذي وُلدت معه نهضة عُمان المتجدِّدة، وانطلقت منه أشرعة المَجد من ظفار إلى مسقط إلى أرض مسندم، لترسو في كل بقعةٍ من أرض عُمان الشامخة؛ أشرعةَ البناء والتطوير، شواهدَ إثباتٍ على منجز النهضة العظيمة، حاملةً السَّلام والإنسانيَّة، والأمن والتنمية، قصَّةَ وطنٍ خالدةً، ونهضةَ أُمَّةٍ ماجدةً، ومصدرَ إلهامٍ للأجيال القادمة، وإشراقةً لمستقبل نهضة عُمان المتجدِّدة، ونافذةَ أملٍ يستشرف بها أبناء عُمان حاضر وطنهم ورؤيته المستقبليَّة. فلقد وجد هذا الإرث الخالد اليوم مَن يصونه ويحميه ويحافظ على مكتسباته، ويبني على آثاره نهضة عُمان المستقبل، حاضرًا في فكر القيادة الحكيمة التي يرعاها ويصون مبادئها ويحفظ ثوابتها ويحافظ على جوهرها في نفوس أبناء عُمان وبناتها، حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه.
د.رجب بن علي العويسي