بنيَّتي...
قد أثقل عليكِ بكلماتٍ جئتُ بها من الزمن القديم، تلك الكلمات التي تحثُّ الناس على إنكار الذَّات والإيثار والحرص على مصلحة الآخرين، هي كلماتٌ غريبةٌ في عالم الإعلام الاجتماعي الجديد، الذي يعجُّ بنصائح تجعلك تضعين نفسك فوق الجميع، وأن تكون مصلحتك فوق كل الاعتبارات، وتكون الأولويَّة لتحقيق طلباتك ورغباتك، وكأنَّ الحياة سباقٌ الفائزُ فيها مَن يغنم الغنائم لنفسه.
بنيَّتي...
قد أثقل عليكِ بنصائح غريبة، أعلم أنها تلاشت في عالم الماديَّات، لا تختزلي معنى الأُمومة في ولادة الطفل وتوفير الخادمات له؛ إنَّ الأُمومة تضحيةٌ وتنازلاتٌ عن راحتكِ واحتياجاتكِ، وسفرات سياحيَّة تشتاقينها، وبرامج ترفيهيَّة وزيارات وجلسات مع الصديقات والجارات تروق لكِ، في سبيل تقديم أفضل الرعاية والتربية لأبنائكِ، فتريَّثي قَبل أن تستمعي لتلك النصائح التي تملؤ شاشات هاتفكِ، بأن تجعلي إشباع رغباتكِ وتحقيق طلباتكِ فوق كل اعتبار، بل هي أهم من مصلحة صغاركِ، ومصلحة أُسرتكِ.
بنيَّتي...
لا تستمعي لتلك النصائح التي تعجُّ بها شاشات هاتفكِ، والتي تُشوِّه صورة قِيَمٍ آمنَّا بها وتوارثناها من آبائنا، إنها قِيَم التضحية والإيثار وتقديم مصلحة الآخرين على مصلحتكِ الشخصيَّة، ما بالي أرى الناس باتتْ تحتقر تلك القِيَم وتَعدُّها ضعفًا وتقليلًا من الذَّات؟ ما بال الناس نسوا أن جزاء مَن يؤثر الآخرين على نفسه لا ينتظر من البشر، بل من ربٍّ كريم لا يؤجل جزاء الإيثار؟ نعم... يا ابنتي... أنا لستُ بلائمةٍ ولا عاتبةٍ عليكِ إن استجبتِ لنصائح الإعلام الاجتماعي (السوشيال ميديا)، فهي تتردد كل يوم في مقاطع قصيرة جذَّابة، وعبارات برَّاقة مقنعة، ومنشورات تحصد ملايين الإعجابات. كل ما أرجوه منكِ أن تقارنيها بقِيَم دِينكِ وشريعتكِ، وبنصائح والدتكِ وجدَّتكِ، قبل أن تجعليها نهج حياتك.
بنيَّتي...
ليس كل ما يلمع ذهبًا، وليس كل ما ينتشر في الإعلام الاجتماعي حكمةً. واعلمي أن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تُحبِّي نفسكِ وتقدِّمي مصلحتكِ وتُشبعي طلباتكِ، وبين أن تجعلي ذاتك هي محور الكون. نعم يا ابنتي.. لكِ أن تنتصري لكرامتكِ، وأن تُشبعي طموحكِ وتُحققي أحلامكِ، ولكن ليس على حساب مشاعر الآخرين أو حقوقهم، خصوصًا أقرب الناس إليكِ: والديكِ وإخوتكِ، أطفالكِ وزوجكِ، واستمتعي بالعطاء، فللعطاء لذةٌ تفوق متعة التسوق والزيارات والفسح. واستمتعي بالتضحية والإيثار؛ فبها يعلو مقامكِ بين الناس، وتسمو روحكِ، وترضين خالقكِ.
بنيَّتي...
أخشى أن يقنعكِ العالم الافتراضي بأن الأنانيَّة اسمها «قوَّة»، وأن تقديم مصلحة الآخرين ضعفٌ، وأن في التضحية دائمًا الخسارة والندم. لا يا ابنتي.. لا تهابي التنازل والعطاء، واعلمي أن القوَّة الحقيقيَّة في الوسطيَّة والاعتدال بين العطاء وإنصاف الذَّات؛ فعليكِ أن تعرفي متى تتمسكين بحقوق ذاتكِ، ومتى تجود يدكِ بالمعروف، عليكِ أن تعرفي متى تتحلّين بالرحمة، ومتى تظهرين القوَّة والحزم، وأن تفرِّقي بين التسامح والانتقام؛ ففي الاعتدال والتوازن قوَّةٌ وشموخ.
بنيَّتي...
كوني إنسانةً تعرف قِيمة نفسها، لكن لا تنسي قِيمة الآخرين. احرصي على نجاحكِ، لكن افرحي أيضًا بنجاح غيركِ، ودافعي عن مطالبكِ وحقوقكِ، لكن لا تظلمي أحدًا لتصلي إليها. فالحياة ليست معركةً بين «أنا» و»هم»، بل هي رحلةٌ نتشارك فيها الأفراح والأحزان، ونبنيها بالمَحبَّة أكثر ممَّا نبنيها بالمنافسة.
يا ابنتي...
تذكَّري دائمًا أن التاريخ خلَّد ذكر مَن أجزل العطاء للآخرين، ومَن خدم الناس والمُجتمع، وليس مَن خدم نفسه. وتذكَّري أن أجمل الناس ليسوا أولئك الذين ظفروا بمغانم لهم، بل الذين أجزلوا العطاء للآخرين. وليس أعظمهم مَن عاش لنفسه وحدها، بل مَن مدَّ يد العون للآخرين وأجزل العطاء، فتَرَكَ في قلوب الآخرين ذكرى عطرةً جميلة. واحذري من ثقافة تُقدِّس الذَّات حتى تجعل الإنسان لا يرى إلَّا نفسه، وتمسَّكي بقِيَم ورثناها من آبائنا، وهي أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بما تكسبينه لذاتكِ فقط، بل بما تمنحينه من خيرٍ للناس والمُجتمع. هي معادلاتٌ علينا أن نحافظ على توازنها.. فكوني قويَّةً... ولكن رحيمةً.. واثقةً... ولكن متواضعةً، مُحبَّةً لنفسكِ دون أن تنسي أن في هذا العالم قلوبًا تتعطش لِحُبكِ... ودُمْتِ سالمةً يا ابنتي.
نجوى عبداللطيف جناحي
كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية
متخصصة في التطوع والوقف الخيري
Najwa.janahi@