يرى المحلِّلون السياسيون في توقيع اتفاقيَّة إنشاء بعثة دبلوماسيَّة للاتحاد الأوروبي في سلطنة عُمان بأنها تطوُّر سياسي واستراتيجي يعكس انتقال العلاقات بين الجانبين إلى مرحلة أكثر عمقًا ومؤسَّسيَّة.
كما يرون بأنَّ وجود بعثة دبلوماسيَّة دائمة للاتحاد الأوروبي في مسقط يعني أن سلطنة عُمان عظَّمت مكانتها كمحطَّة رئيسة في رؤية الاتحاد الأوروبي تجاه منطقة الخليج، ممَّا يُؤكد نجاح الدبلوماسيَّة العُمانيَّة في ترسيخ مكانة سلطنة عُمان كشريك موثوق يحظى بالاحترام والثقة على المستويين الإقليمي والدولي.
ويأتي هذا التطوُّر في توقيت بالغ الأهميَّة، تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط على وجْه العموم تحوُّلات جيوسياسيَّة متسارعة وتواجِه فيه اقتصاديَّة معقَّدة تجعل من الحوار والتنسيق بين الشركاء الدوليين ضرورة أكثر من أيِّ وقت مضى.
وعلى ضوء ذلك، فإن وجود بعثة أوروبيَّة دائمة في مسقط يوفِّر قناة اتصال مباشرة وسريعة مع مؤسَّسات الاتحاد الأوروبي، ويمنح العلاقات الثنائيَّة قدرة أكبر على الانتقال من مرحلة التشاور إلى مرحلة التنفيذ العملي للمبادرات والمشروعات المشتركة.
كما يحمل إنشاء هذه البعثة بمسقط دلالات تتجاوز العلاقات الثنائيَّة؛ حيث يعكس إدراك الاتحاد الأوروبي للدَّور الذي تؤدِّيه سلطنة عُمان في تعزيز الاستقرار الإقليمي، في حين استطاعت عُمان عبر عقود من السياسة الخارجيَّة القائمة على الحوار والوساطة بناء رصيد كبير من الثقة مع مختلف الأطراف، ممَّا جعلها شريكًا يحظى بالمصداقيَّة في معالجة العديد من الملفات الإقليميَّة الحسَّاسة.
وبالتَّالي فإن الحضور الأوروبي الدَّائم في مسقط يتيح مستوى أعلى من التنسيق السياسي، والاستفادة من الخبرة العُمانيَّة في إدارة الأزمات وتعزيز فرص السَّلام.
ومن الناحية الاقتصاديَّة، فإنَّ هذه الخطوة تسلِّط الضوء على الكثير من المكاسب الاقتصاديَّة باعتبار أنها تشمل مجالات تعاون متعدِّدة، بينها التكنولوجيا والطاقة والخدمات اللوجستيَّة والقطاع المصرفي والمعادن والبنية الأساسيَّة والأمن الغذائي والمائي وأمن الطاقة والأمن البحري والتدريب وبناء القدرات، وهي مجالات تُعَدُّ أولويَّات رئيسة ضمن رؤية «عُمان 2040»، ممَّا يمنح هذه الخطوة بُعدًا تنمويًّا يتجاوز العلاقات الدبلوماسيَّة التقليديَّة. كما سيُسهم وجود بعثة أوروبيَّة بسلطنة عُمان في تسهيل التواصل المباشر بين المؤسَّسات الحكوميَّة والشركات الأوروبيَّة ونظيراتها العُمانيَّة، ويختصر الكثير من الإجراءات المتعلقة بالاستثمار والتعاون الفنِّي، ويُعزِّز فرص جذب الاستثمارات الأوروبيَّة إلى السوق العُمانيَّة، خصوصًا بالقطاعات التي تمتلك السَّلطنة فيها ميزات تنافسيَّة، كالطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والموانئ والخدمات اللوجستيَّة والمعادن.. وغيرها، كما تعكس هذه الخطوة إدراكًا أوروبيًّا متزايدًا للأهميَّة الجيواستراتيجيَّة لسلطنة عُمان، التي تطلُّ على أحَد أهمِّ الممرَّات البحريَّة العالميَّة، وتمتلك موانئ استراتيجيَّة مطلَّة على بحر العرب والمحيط الهندي بعيدًا عن أيِّ تعقيدات جغرافيَّة، ممَّا يجعلها شريكًا مهمًّا في تعزيز أمن سلاسل الإمداد العالميَّة، وفي تأمين حركة التجارة والطاقة، وجميعها ملفات تتصدر أولويَّات الاتحاد الأوروبي في الوقت الحالي، لذلك فإنّ تعميق التعاون مع الاتحاد الأوروبي يفتح آفاقًا أوسع أمام الجامعات ومراكز البحث العلمي والمؤسَّسات التدريبيَّة العُمانيَّة للاستفادة من البرامج الأوروبيَّة في مجالات البحث والتطوير والتحوُّل الرَّقمي والاقتصاد الأخضر، وهي مجالات تُشكِّل محركات رئيسة للنُّمو الاقتصادي المستقبلي. كما أن إنشاء البعثة يمنح العلاقات بين الجانبين طابعًا مؤسَّسيًّا أكثر استدامة، بحيث لا تبقى رهينة الزيارات الرسميَّة أو الاجتماعات الدوريَّة، بل تدفع لوجود آليَّة سريعة التواصل لمتابعة الملفات المشتركة وتذليل العقبات وتسريع تنفيذ الاتفاقيَّات، واستكشاف فرص تعاون جديدة بصورة مستمرَّة. ومن اللافت أيضًا أن هذه الخطوة جاءت بالتوازي مع وجود بعثة سلطنة عُمان لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل، بما يُعزِّز شراكة قائمة أصلًا على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، ويوسِّع من الاتصال المباشر بعيدًا عن العلاقات البروتوكوليَّة التقليديَّة التي تقتصر على الجوانب السياسيَّة فقط. وعليه، يمكن القول بأن إنشاء بعثة دبلوماسيَّة للاتحاد الأوروبي في سلطنة عُمان يُمثِّل إعلانًا عن مرحلة جديدة في العلاقات بين الجانبين، قوامها الشراكة الاستراتيجيَّة والتكامل الاقتصادي والتنسيق السياسي الفاعل، فضلًا عن أنه يعكس علوَّ مكانة سلطنة عُمان في الحسابات الأوروبيَّة، ونجاح سياستها الخارجيَّة في بناء شبكة واسعة من الشراكات الدوليَّة المتوازنة، بما يُعزِّز دورها كجسر للحوار، وشريك للتنمية، وركيزة للاستقرار في منطقة تزداد أهميَّة في معادلات الأمن والاقتصاد العالميين.
طارق أشقر
من أسرة تحرير «الوطن»