جاءت بعثته (صلى الله عليه وسلم) الأخلاقية للناس كافة، ومن ضمن أخلاقه (صلى الله عليه وسلم) حسن المعاملة مع الأطفال، فقد دعا المُسلمين إلى ضرورة تربيتهم وفق الطُرق الصحيحة، نظرًا لحساسية هذه المرحلة العُمريّة التي ستُؤثر على جميع جوانب شخصيّتهم في المُستقبل، وقد كان الرسول (صلّى الله عليه وسلم) رؤوفًا بالأطفال ورحيمًا بهم، ويدعو صحابته إلى التعامل بالمثل مع أطفالهم والأطفال الآخرين، ولو نظرنا إلى السيرة النبويّة نجدُ العديد من المواقف التي تتوافق مع أساليب التربية الحديثة وأنّ الرسول (صلى الله عليه وسلّم) هو من ابتدأ بتعليم المسلمين هذه الأساليب التربويّة.
لقد كان منهج الرسول (صلى الله عليه وسلم) في معاملة الأطفال يتخطى جميع ما نعرفه حاليّاً من حقوق الأطفال.. وغيرها، إذ إنّه ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان يدرك أنّ هذه المرحلة من حياة الطفل هي إحدى المراحل المهمة في بناء شخصيته وأنّه غير محاسبٍ فيها على أيّ شيءٍ يقوم بفعله.
إنّ الأطفال لا يدركون عواقب الأمور أو نتائجها أو الطبيعة التي خلقت فيها الحياة، بل إنّهم يحبون فقط من يكون بسيطاً في تعامله معهم يعاملهم على قدر فهمهم البسيط، ولهذا فلم يكن الرسول (صلى الله عليه وسلم) يتعامل مع الأطفال كتعامله مع الكبار مطلقًا، بل إنّه كان يستوعبهم بلطفه ويمازحهم ويلاعبهم حتى في أكثر المواقف جديّة وفي أكثر المواقف الّتي قد تثير سخط الناس على الأطفال، فكم من مرّةٍ بال طفلٌ على ثياب الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهو يحمله أو يلاعبه ولا يتأفف مطلقاً من حاله، بل ينضح ثوبه بالماء وينتهي الأمر، وكان ـ عليه الصلاة والسلام ـ رحيمًا بالأطفال، إلى درجة أنه إن سمع بكاء طفلٍ في الصلاة خفف من صلاته كي يتسنّى لأمّه إرضاعه.
إنّ مظاهر التربية للأطفال لتربية الأطفال مظاهر خلقية مستوحاة من هدي النبي (صلى الله عليه وسلم)، منها: (1) تحنيك الطفل والدعاء له، حيث كان الصحابة يأتون إلى النبي بأطفالهم عند ولادتهم ليقوم الرسول بتحنيكهم بالتمر (مضغ كميّة بسيطة من التمر وإطعامها للطفل)، وقد بيّن العلم أنّ هذه الخطوة تحمي الطفل من العديد من الأمراض منذ بدْء نشأته، (2) السلام على الأطفال، حيث كان الرسول (صلى الله عليه وسلّم) يُبادر بالسلام على الأطفال عند مروره بهم، ممّا يمنحُهم معنويّاتٍ تجعلهم يشعرونَ بأنه يُمكنهم التحدّث مع مَن هم أكبر منهم سناً، وهذا من شأنه أن يجعلهم أكثر ثقة بأنفسهم، فضلا عن تعليمهم آداب السلام، فيتربى الطفل على السلام منذ صغره، (3) ملاعبة الأطفال الصغار، وقد كان هذا واضحًا من خلال معاملة الرسول لأحفاده أبناء السيّدة فاطمة الزهراء، وهما الحسنُ والحسين، وهناك عددٌ من المواقف التي كان الرسولُ يداعبُ أطفال الصحابة فيها، ويزرع في نفوسهم الفرح وحبّ المرح؛ كونَهم أطفالًا صغارًا بحاجة للعب مع ذويهم، والأطفال زينة الحياة الدنيا كما جاء في القرآن الكريم، (4) مناداة الطفل بالكنية، لقد كان يُسمّى الطفل بـ(أبي فلان)، وذلك فيها أثر تجعل الطفل يشعُر بأنه يُمكن معاملته وكأنّه شاب يتسنى الاعتماد عليه، (5) تقدير الطفل، حيث كان الرسول يوصي بالمعاملة الليّنة والرحيمة مع الطفل، وذلك أهمّ أساليب التربية والأخلاق الحميدة، كأن يُبيّن لهم أهمية الصدق والابتعاد عن الكذب بأسلوب فيه رفق، وكان الرسولُ (صلى الله عليه وسلّم) ينهى الآباءَ عن الكذب على أبنائهم كنوعٍ من التنشئة السليمة للطفل الذي يقتدي بوالديه، حتّى لو رأى الرسول تصرّفًا خاطئًا من الطفل فإنه كان يتعامل معهم دون صراخ، بل كان يُشعرهم بأن هذا التصرف خاطئ دون أن ينهرهم، (6) الاهتمام بحقوق الطفل الاجتماعيّة، لقد حثُّ الرسول (صلى الله عليه وسلم) الأمَّ على ضرورة إرضاع طفلها رضاعة طبيعية كحقٍ له، ودعا الوالدين للتحلي بالأخلاق الحميدة حتى ينشأ طفلهم نشأة سليمة، وأوصى الرسول بحقّ الطفل في الميراث، وأنّ على المُسلمين الاهتمام بشكل كبير بالطفل اليتيم وتقديم الرعاية له وحفظ ماله. كما اهتم الرسول الكريم بتسمية الطفل بالاسم المناسب، وتوثيقه وإشهاد الناس على أنّ فلان هو ابنُ فلان من الناس الذي تزوّج وفق الشريعة الصحيحة بإشهار ذلك العقد بالخطوبة، وهذا لتعريف الناس بنسب هذا الطفل وحمايته من المشاكل في المستقبل، (7) التعامل مع الطفل بلطف، ويتجلّى ذلك من خلال معاملة الرسول للأطفال والنزول لمستوى عقلهم البسيط، لأنّ الطفل بطبعه لا يُحب الإنسان العبوس المترفّع، وهذا يُعلم الآباء بضرورة الرفق بأطفالهم وعدم التأفّف ممّا يسببونه من متاعب، فاللطف يدفعهم إلى التقرب من أوليائهم ومصارحتهم بما عندهم.
إنّ التربية العملية أنشأ النبي (صلى الله عليه وسلم) كوكبة من الصحابة، قام بنفسه بتعليمهم الإسلام والقرآن والأحكام والتفسير، ليصبحوا أساتذة يعلمون الأجيال القادمة ما أخذوه عن نبيهم، فاهتموا أيما اهتمام بالجيل الجديد من أولاد الصحابة والتابعين، فتخرج على أيديهم العلماء والفقهاء والقرّاء والأدباء واللغويين والكتاب، واستمرت تلك التعاليم إلى يومنا هذا جيلًا عن جيل، ومنها أنشأت المدارس وحلق الذكر في المساجد والمراكز الصيفية والكليات والجامعات، ورغم ما قام به الصحابة من جهد كبير في تعليم الأجيال، إلا أنه (صلى الله عليه وسلم) ظل يعتني بالأطفال عناية علمية، وظل يشرف على مدارس صحابته العلمية المتمثلة في حلق الذكر، بل ظل يربي بعض الأطفال بنفسه، منهم معاذ بن جبل، وعبدالله بن عباس، وأنس بن مالك.. وقد أصبح هؤلاء مراجع علمية للمسلمين، بفضل عنايته بهم والدعاء لهم، وأصبح عبد الله بن عباس ترجمان القرآن وحبر الأمة، وقد تعلّم على يديه الإمام جابر بن زيد ـ رحمه الله.
سامي السيابي
كاتب عماني
(اللجنة الثقافية لفريق الهلال – نفعاء)