الجمعة 24 يوليو 2026 م - 9 صفر 1448 هـ

أنواع المياه فـي القرآن «الماء المصبوب»

الأربعاء - 22 يوليو 2026 02:31 م
10


أيها القراء.. ومع ماء جديد من أنواع الماء التي ذكرها الله تبارك وتعالي في كتابه الكريم نستكمل مسيرتنا، ألا وهو:(الماء المصبوب)، وفي معنى (صبَّ الماء) يقول الراغب الأصفهاني في كتابه )المفردات في غريب القرآن، ص: 473): (صَبُّ الماء: إراقته من أعلى، يقال: صَبَّهُ فَانْصَبَّ، وصَبَبْتُهُ فَتَصَبَّبَ، قال تعالى: «إنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا» (عبس ـ 25)، «فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ» (الفجر ـ 13)، «يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ» (الحج ـ 19)، وصبا إلى كذا صبابة: مالت نفسه نحوه محبّة له، وخصّ اسم الفاعل منه بِالصَّبِّ، فقيل: فلان صَبٌّ بكذا، والصُّبَّةُ كالصرمة، والصَّبِيبُ: الْمَصْبُوبُ من المطر، ومن عصارة الشيء، ومن الدّم، والصُّبَابَةُ والصُّبَّةُ: البقيّة التي من شأنها أن تصبّ، وتَصَابَبْتُ الإناء: شربت صُبَابَتَهُ، وتَصَبْصَبَ: ذهبت صبابته)، وقد جاءت مادة (صبَّ) في كتاب الله تعالى في عدة مواضع: الموضع الأول بصيغة المضارع، قال الله تعالى:(هَاذَانِ خَصمَانِ ٱختَصَمُواْ فِي رَبِّهِم فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَت لَهُم ثِيَاب مِّن نَّار يُصَبُّ مِن فَوقِ رُءُوسِهِمُ ٱلحَمِيمُ) (الحج ـ 19)، الموضع الثاني بصيغة الأمر، قال تعالى: (ثُمَّ صُبُّواْ فَوقَ رَأسِهِ مِن عَذَابِ ٱلحَمِيمِ) (الدخان: 48)، الموضع الثالث بصيغة الماضي يليه المصدر، قال تعالى:(أَنَّا صَبَبنَا ٱلمَاءَ صَبّا) (عبس ـ 25)، الموضع الرابع بصيغة الماضي، قال تعالى:(فَصَبَّ عَلَيهِم رَبُّكَ سَوطَ عَذَابٍ) (الفجر ـ 13)، ونأخذ من هذه المواضع موضوعًا واحدًا، وهو المقصود به في بحثنا هذا ألا وهو قال تعالى:(أَنَّا صَبَبنَا ٱلمَاءَ صَبّا) (عبس ـ 25)، يقول الفخر الرازي في (مفاتيح الغيب 31/‏59):(«أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا»، وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ: صَبَبْنَا الْمُرَادُ مِنْهُ الْغَيْثُ، ثُمَّ انْظُرْ فِي أَنَّهُ كَيْفَ حَدَثَ الْغَيْثُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى هَذِهِ الْمِيَاهِ الْعَظِيمَةِ، وَكَيْفَ بَقِيَ مُعَلَّقًا فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَعَ غَايَةِ ثِقَلِهِ، وَتَأَمَّلْ فِي أَسْبَابِهِ الْقَرِيبَةِ وَالْبَعِيدَةِ، حَتَّى يَلُوحَ لَكَ شَيْءٌ مِنْ آثَارِ نُورِ اللَّهِ وَعَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَفِي تَدْبِيرِ خِلْقَةِ هَذَا الْعَالَمِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قُرِئَ «إِنَّا» بِالْكَسْرِ، وَهُوَ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَأَنَّا بِالْفَتْحِ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الطَّعَامِ وَالتَّقْدِيرُ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى أَنَّا كَيْفَ صَبَبْنَا الْمَاءَ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: مَنْ قَرَأَ بِكَسْرِ إِنَّا كَانَ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِلنَّظَرِ إِلَى طَعَامِهِ كَمَا أن قوله: «لَهُمْ مَغْفِرَةٌ» (الأنفال ـ 74) تَفْسِيرٌ لِلْوَعْدِ، وَمَنْ فَتَحَ فَعَلَى مَعْنَى الْبَدَلِ بَدَلِ الِاشْتِمَالِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَشْتَمِلُ عَلَى كون الطعام وحدوثه)، وهنا لفتة ذكره (تفسير القرآن العظيم، السخاوي 2/‏570):(«أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ» أضاف الصب إلى نفسه؛ لأنه بأمره، ويجوز أن يكون من شقها بالحرث)، ويقول صاحب (البحر المحيط 10/‏410):(الْمَعْنَى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى إِنْعَامِنَا فِي طَعَامِهِ، فَتَرَتَّبَ الْبَدَلُ وَصَحَّ. انْتَهَى. كَأَنَّهُمْ جَعَلُوهُ بَدَلَ كُلٍّ مِنْ كُلٍّ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ بَدَلُ الِاشْتِمَالِ، وَقِرَاءَةُ أُبَيٍّ مُمَالًا عَلَى مَعْنَى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ كَيْفَ صَبَبْنَا، وَأَسْنَدَ تَعَالَى الصَّبَّ وَالشَّقَّ إِلَى نَفْسِهِ إِسْنَادَ الْفِعْلِ إِلَى السَّبَبِ، وَصَبُّ الْمَاءِ هُوَ الْمَطَرُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّقَّ كِنَايَةٌ عَنْ شَقِّ الْفَلَّاحِ بِمَا جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ يَشُقَّ بِهِ)، وجاء في (اللباب في علوم الكتاب 20/‏165): (قوله تعالى: «أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً»، ففيها ثلاثة أوجه، أحدها: أنها بدل من «طَعامه»، فيكون في محل جر، والثاني: أنه بدلُ اشتمالٍ، بمعنى أنَّ صبَّ الماء سبب في إخراج الطَّعام، فهو مشتمل عليه بهذا التقدير، وقد نحا مكيٌّ إلى هذا فقال: لأن هذه الأشياء مشتملة على الطعام ومنها يتكون، لأنَّ معنى «إلى طعامهِ» إلى حدوث طعامه كيف يتأتى، لأن الاعتبار إنَّما هو في الأشياء التي يتكون منها الطعام لا في الطعام نفسه، والوجه الثاني: أنها على تقدير لام العلَّة، أي فلينظر لأنا، قال القرطبيُّ: (فـ»أنّا» في موضع خفضٍ على الترجمة عن الطعام، فهو بدل منه؛ كأنًّه قال: «فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ» إلى «أنَّا صببنا»، فلا يحسن الوقف على «طعامه» في هذه القراءة، والوجه الثالث: أنَّها في محل رفعٍ خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو أنَّا صَببنَا، وفيه ذلك النظر المتقدم؛ لأنَّ الضمير إن عاد على الطعام، فالطعام ليس هو نفس الصب).. فسبحان الذي صبَّ لنا الماء صبًّا.

د.محمود عدلي الشريف 

 [email protected]