المعروف أنه كما أن للنحو وقواعده دورًا واضحًا في كشف النص القرآني، ودلالته، فكذلك للقواعد الصرفية مهمتُها في بيان السياق القرآني، وإيضاح المقصود، وجلاء المرمى المطلوب، والبِنْيَةُ الصرفية تختلف من أسماء إلى أفعال (أصلية، ومزيدة)، ومن أفعال (معتلة، وصحيحة)، ومن (اشتقاق، وجمود)، ومن (مفردات، وجموع)، ونحوها من القضايا الصرفية الكثيرة التي تكشفُ لنا عن المقاصد العامة لكتاب الله، ومرامي القرآن العزيز، ومعانيه التامة، ومبانيه الكاملة؛ حيث يشترك النحو، والصرف بإبراز المعاني القيمة، والدلالات العميقة لكلِّ بنيةٍ صرفية واردة في الآي الكريمات، توضح جمال السياق، وكمال المعنى.
ونأخذ أول آيات الكتاب العزيز في سورة البقرة، حيث يقول الله تعالى:(الـم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (البقرة ـ 1 ـ 5).
قوله:(ألم) أحرف مقطعة للقرآن الكريم، لا يعلم أحد ـ على وجه الحقيقة ـ معناها، ومرماها، وإنما حقيقة معانيها وقف على الله، وهي أحرف لا تدخل في إطار الدراسة الصرفية؛ حيث إن الصرف يهتم بالأفعال المتصرفة، والأسماء المتمكنة، ولا تدخل في دراسته الأحرف مقطّعة، وموصولة، ولكن غموضها هنا مقصود لبيان بشرية الخلق، وعدم إحاطتهم بالمقصود الرباني على وجه الدقة، وهو أمر مقبول؛ لأن الله تعالى يقول:(وَمَا أُوتِيْتُم مِنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا».
والكتاب وارد بالاسم، والاسم يفيد الثبات، والاستمرار، فالقرآن ثابت مستمر إلى يوم الدين، واستعمال الاسم هنا غاية في الدقة؛ لأنه لإقرار بثبوته، وأزليته، وعدم تغييره.
واستعمال (لا) النافية للجنس يوحي باستحالة الشك، وعمق اليقين الذي يجعلنا لا نشك لحظة في كتاب الله، فـ(ريب) اسم لا مفرد، مبني على الفتح في محل نصب، فهو اسم على وزن (فعل) وهو يفيد الثبات، وكونه اسم (لا) النافية للجنس يؤكد ثبوتها، وأزليتها، وسرمدية معناها، وحذف خبر لا يجعل النفس تتصور كل فعل يفيد استمرار المعنى، وتعميق المفهوم، وثبات الدلالة، وانتشارها في ذات وروح وعقل المتلقي لتلك الآيات.
(هُدًى) على وزن (فُعًى) وهو اسم منكَّر، يفيد كلَّ معاني الهدى، وألوانه، وأصنافه، وأنواعه، فالقرآنُ الكريمُ يدخل فيه كلُّ هُدًى، فصيغة التنكير أفادتِ الشيوع، والعموم.
و(المتقين): اسم فاعل يفيد الثبوت، والنية، واسم الفاعل يحمل النيةَ، فهم ينوون التقوى، والكلمة أصلها (الموتقين)، ثم انقلبت الواو تاءً، ثم حدث إدغامُ التاء في التاء، كلُّها مراحلُ تبيِّن طريقَ التقوى، وأنه طريقُ تغييرٍ، وتعبٍ، وسبيلٌ كلُّها جهادٌ، وعملٌ، وكلها أشواك، وتعثرات، لكنه ممحص، ومهم لكل داعية مخلص.
فإذا كان هدى للمتقين، فما بال غيرهم؟!، فمن المؤكد أنهم سائرون في طريق التقوى، وسبيل الهدى، ومهيع الأمان والخلاص، والعطاء، والكمال، والجلال.
والفعل (يؤمنون) فعل مضارع، يفيد الاستمرار، وتواصل الإيمان، فالإيمانُ متجددٌ، ومتنامٍ، ومتواصلٌ، ولا يمكن أن ينقضيَ، أو ينقرضَ، أو يضمحلَّ، أو يُمحَى.
(يؤمنون بالغيب)، فالإيمان بالغيب متجددٌ، ومتجذِّرٌ، ومتعمِّقٌ، ومتأصِّلٌ، ومستمِرٌّ.
و(يقيمون): فعل مضارع يفيد الاستمرار، فإقامة الصلاة مسألة دائمة، وهي الزاد لهم، وهي الوقود الذي تمضي به قافلةُ الإنسان مع ربه، والصلاة هي معراج المؤمن إلى ربه، وهي طريق الوصول، وسبيل القبول، وقوة العقيدة والإيمان.
و(الصلاة) اسم يفيد ثبات معناه، وكمال مبناه، وجلال مرماه، وعمق مغناه.
(ومما رزقناهم ينفقون)، فالفعل (رزقناهم): فعلٌ ماضٍ، والماضي يريح القلب، ويطمئن أفئدتهم، ويجعلهم أكثر أمانًا، وأعمق راحة واستقرارًا، وأوسع شكرًا لله.
والفعل (ينفقون): فعل مضارع يفيد الاستمرار، واستدامة المعنى، واستمرار الدلالة.
فالإنفاق متواصل، ومستمر، وهم ينفقون؛ لأن الله يرزقهم، وقد عبَّر عن الرزق بالماضي كنايةٌ عن حصوله، وعن الإنفاق بالمضارع المفيد للاستمرار.
وقوله:(أولئك): اسم إشارة للبعيد، يفيد السمو، والعلو، والتعبير به يفيد عظمته، وجلاله، وثباته، وكماله، واستمراره، وجماله.
فهؤلاء الكرام، والكبار عند ربهم (على هدى من ربهم، وأولئك هم المتقون)، فهم (على هدى) فـ(على): حرفٌ يفيدُ الاستعلاء، فهم بهداية الله لهم صاروا فوق الهدى، وأنهم متمكِّنون منه، عاملون به، فكأنهم فوقه، وعلوه، ويَسْمُونَ عليه، وتنكير (هدى) يفيد عموم الهدى، وشمول أنواعه، واتساع مضمونه، والهدى من المصدر الكبير، المصدر الشامل (ربِّهم)، فالرب ـ سبحانه ـ هو الذي أعطاهم الهدى، ومكَّنهم منه، وعمقه فيهم، وأعانهم عليه، ويسَّره لهم، ولم يصعبْه عليهم، بل مكَّنهم منه، وأدامهم فيه، وأدامهم عليه، وثبته في قلويهم، وعمَّقه في أفئدتهم.
ثم تكررت:(أولئك) هم المفلحون، والتعبير بالجملة الاسمية يفيد الثبات، والاستمرار، وثبوت الحكم، وتواصل الدلالة، فالأصل بالتعبير بالجمل الاسمية أنه يفيد الأزلية، والاستمرار، وخبره جملة اسمية هي (هم المفلحون)، والأصل فيها ثبوت معناها، واستمرار حكمها، واستدامة معناها، وكمال مرماها، وجلال مغناها.
والناظر في هذه الآيات يرى أنها ثابتةُ المعنى، فيها إقرار بالدلالة، وقد استعمل القرآن الكريم الجملَ الفعلية، ذات الأفعال المضارعة، وكذلك استعمال الجمل الاسمية التي تفيد الاستمرار؛ ومن ثَمَّ الإقرار، والاعتراف، وأنَّ مَنْ تمسك بالكتاب الكريم فهو المهتدي هداية كاملة، وهو المفلح فلاحًا تامًّا وشاملًا، والمهتدي هداية تامة، وشاملة، وكاملة، فهم على هداية تامة، وفلاح كامل، ونجاح شامل.
نسأل الله تعالى أن يوقفنا على كمال كتابه، وتحليل آياته، وفهم قواعده، والعيش ضمن معانيها، والغوص في جلالها ودلالتها، والعمل وفق معطياتها، إنه ولي ذلك، والقادر عليه.
د.جمال عبدالعزيز أحمد
كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية