لا يقاس عمر الإنسان بعدد السنوات التي يعيشها بل بالأثر الذي يتركه في قلوب الناس، ومن هؤلاء كان فيّاض الكندي، الذي رحل شابًا بعد رحلة طويلة مع المرض، لكنه خلد اسمه بصبره وإصراره وحبه للحياة.
لم يكن مجرد صانع محتوى رياضي، بل قصة إنسانية ألهمت الآلاف من متابعيه ورغم معاناته منذ الطفولة مع فقر الدم المنجلي، وخضوعه لعشرات العمليات الجراحية، ثم إصابته بتليف الكبد ومضاعفاته، ظل متمسّكًا بشغفه، مؤمنًّا بأن الإرادة أقوى من الألم، فبقي أثره حيًًا في ذاكرة كل من عرفه.
لقد صار نبأ رحيله حدثّا إنسانيًّا جمع القلوب فقد ضجت منصات التواصل الاجتماعي بآلاف رسائل التعزية والدعاء، وتسابقت الأقلام في استذكار أخلاقه وصبره وابتسامته التي لم تغب رغم قسوة المرض ولم يقتصر الحزن على أبناء سلطنة عُمان، بل امتد إلى مختلف الدول العربية، حيث نعاه محبوه من مختلف الأعمار، ورأوا فيه نموذجًا ملهمًا للإنسان الذي صنع مكانته في القلوب قبل أن يصنعها على الشاشات.
وكان المشهد الأكثر تأثيرًا أن المحبة تحولت إلى عمل؛ إذ تسابقت جهات تطوعية ومبادرات مجتمعية وأفراد من داخل سلطنة عُمان وخارجها إلى التبرع ببناء المساجد، ودعم المشاريع الخيرية، وإهداء ثوابها للراحل، في صورة نادرة تؤكد أن الإنسان قد يرحل، لكن أعماله الصالحة وأثره الطيب يواصلان الحياة في نفوس الناس، ويلهمان الآخرين لمواصلة الخير.
هذه هي الثروة الحقيقية التي يتركها الإنسان؛ ليست أموالًا ولا شهرة، بل دعوة صادقة من قلب لا يعرفه، وذكرى جميلة، وعمل خير يمتد أثره بعد الرحيل وقد بقيت حكاية فياض درسًا لكل من يظن أن الظروف تصنع الإنسان؛ إذ أثبت أن الإرادة أقوى من المرض، وأن الشغف يهزم الألم، وأن أجمل ما يتركه المرء ليس عدد متابعيه، بل عدد القلوب التي تدعو له وتترحم عليه بإخلاص.
كما ترك رسالة لكل صناع المحتوى بأن الشهرة الحقيقية ليست في عدد المشاهدات أو سرعة الانتشار، وإنما في الأثر الذي يبقى بعد الرحيل فالمحتوى الصادق الذي يلامس القلوب، ويحترم القيم، ويزرع الخير، ويقدم رسالة نافعة للمجتمع، هو الذي يمنح صاحبه عمرًا آخر بعد وفاته، أما المحتوى العابر، مهما حقق من أرقام، فيرحل بانتهاء لحظته.
لقد أثبتت قصة فياض أن أعظم نجاح يمكن أن يحققه صانع المحتوى هو أن يترك خلفه دعاءً صادقًا، وقلوبًا تترحم عليه، وأعمالًا خيرية تُهدى إلى روحه، وسيرة طيبة تبقى حاضرة في ذاكرة الناس.. رحم الله فياض الكندي رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان، وجعل ما تركه من أثر طيب وصبر وأمل شاهدًا له، فالسير العطرة لا تنتهي برحيل أصحابها، بل تبدأ حين يفتقدهم الناس ويكثر لهم الدعاء.
عبدالله بن سعيد الجرداني
كاتب عماني