تتَّجه الاقتصادات الحديثة إلى البحث عن مصادر نُمو تمتلك القدرة على الاستمرار، وتُحقق أعلى قِيمة من الموارد الطبيعيَّة، ويأتي الاقتصاد الأزرق بوصفه أحَد المسارات الاقتصاديَّة التي تجمع بين الاستثمار، والإنتاج، والاستدامة، وتمتلك سلطنة عُمان كل المُقوِّمات التي تؤهلها لبناء هذا القطاع، بما تمتلكه من سواحل طويلة، وموقع بحري يتوسط أهمَّ خطوط التجارة العالميَّة، وثروة سمكيَّة متنوِّعة، وموانئ حديثة، ومناطق اقتصاديَّة قادرة على استيعاب الاستثمارات المرتبطة بالأنشطة البحريَّة؛ ولهذا جاء الاهتمام بتوطين الاقتصاد الأزرق ضمن توجُّهات التنمية الوطنيَّة؛ لأنه ينظر إلى البحر باعتباره منظومة اقتصاديَّة متكاملة تضمُّ الثروة السمكيَّة، والنقل البحري، والخدمات اللوجستيَّة، والصناعات التحويليَّة، والاستزراع السمكي، والسياحة البحريَّة، والخدمات المساندة، وهو ما يفتح مساحات أوسع لتنويع مصادر الدخل، ورفع مساهمة القطاعات غير النفطيَّة في الاقتصاد الوطني.
ولعلَّ ما تشهده محافظة الوسطى يقدِّم نموذجًا واضحًا لهذا التوجُّه؛ فقد تحوَّلت المُقوِّمات الطبيعيَّة إلى نشاط اقتصادي متكامل يقوم على الاستثمار، والإنتاج، والتصنيع، والخدمات، والأرقام تؤكد حجم هذا التحوُّل؛ إذ تصدَّرت المحافظة الإنتاج السمكي في سلطنة عُمان خلال عام (2024م) بإنتاج بلغ نحو (226) ألف طن، يُمثِّل (25) بالمئة من إجمالي الإنتاج السمكي، وبقِيمة تجاوزت (100) مليون ريال عُماني، إلى جانب أكثر من (4670) صيادًا مسجَّلًا، و(2357) قارب صيد، و(124) سفينة صيد حِرفي، وتزداد أهميَّة هذه المؤشِّرات مع وجود ميناء الدقم التجاري، وميناء الصيد البحري متعدِّد الأغراض، وما يوفِّرانه من خدمات الإنزال، والتداول، والتخزين، والصيانة، والتصدير، وهي عناصر تنقل القطاع من مرحلة الإنتاج الأوَّلي إلى منظومة اقتصاديَّة تُحقق قِيمة مضافة أعلى، وتُعزِّز قدرة المنتجات العُمانيَّة على الوصول إلى الأسواق الإقليميَّة والعالميَّة بكفاءة أكبر.
ولا تقف أهميَّة الاقتصاد الأزرق عند حدود تعظيم الاستفادة من الموارد البحريَّة؛ فالقِيمة الحقيقيَّة تتولد من تشابُك الأنشطة الاقتصاديَّة المرتبطة به، فكل مشروع في قطاع الثروة السمكيَّة يخلق فرصًا في النقل، والتخزين، والتعبئة، والتصنيع، والتسويق، والخدمات اللوجستيَّة، والسياحة البحريَّة، وهو ما يوسِّع دائرة النشاط الاقتصادي، ويزيد من مساهمة المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة في مختلف مراحل سلسلة القِيمة، كما أن زيادة الاعتماد على المنتجات والخدمات الوطنيَّة ترفع المحتوى المحلِّي، وتدعم نُمو الصناعات المرتبطة بالقطاع، وتوفِّر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة للكفاءات الوطنيَّة، وهو ما يجعل الاقتصاد الأزرق أحد القطاعات القادرة على تحقيق أثر اقتصادي يمتدُّ إلى قطاعات إنتاجيَّة وخدميَّة عديدة في الوقت نفسه.
إنَّ الخطط التي تستهدف التوسُّع في مشروعات الاستزراع السمكي، وتطوير الصناعات التحويليَّة، وتعزيز الاستثمارات في ميناء الدقم والمنطقة الاقتصاديَّة الخاصَّة بالدقم، وتحديث الخدمات اللوجستيَّة، وتشجيع الابتكار والبحوث والتقنيَّات الحديثة، تؤكد أن سلطنة عُمان تمضي في بناء اقتصاد بحري متكامل يقوم على الاستثمار طويل الأجل، ويعظِّم العائد من الموارد الوطنيَّة، ويرفع القدرة التنافسيَّة للاقتصاد الوطني، وهذه الرؤية تمنح الاقتصاد الأزرق مكانة تتجاوز كونه قطاعًا إنتاجيًّا، لِيصبحَ أحَد المحركات الرئيسة للتنويع الاقتصادي، وأحد المسارات التي ترسِّخ التنمية المستدامة، وتدعم مستهدفات رؤية «عُمان 2040» في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وكفاءة وقدرة على صناعة فرص النُّمو للمستقبل.