الدبلوماسيَّة هي عبارة عن بحر يحتوي كثيرًا من المفردات الإيجابيَّة والسلبيَّة، وكذلك تتلاطم الأمواج في البحر وسكونه، والمد والجزر، والأعاصير التي تدمِّر بلدانًا في بعض الأحيان، وسكون الأمواج التي تُعدُّ ملاذًا للهدوء والاسترخاء؛ لذلك تبقى كل هذه المفردات رهينة القبطان أو الكابتن الذي يقود السفينة في ظل هذه المترادفات، وكيف تكون لديه الحنكة والخبرة المتراكمة والرؤية السديدة الثاقبة، ومهارة التخطيط الأكاديمي المبنيَّة على أهداف الازدهار والتنمية، وأهمها تنمية الموارد البشريَّة، وكذلك تطوير جميع مجالات الحياة لتصل إلى رفاهيَّة وسعادة المواطن ثم البلد.
المحلل الدبلوماسي والمراقب للشارع العُماني، سواء من الداخل أو الخارج، يلمس بكل بساطة التغييرات الإيجابيَّة الهائلة التي حصلت في ظل حُكم والدنا جلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ في جميع المجالات. ومنذ تولِّيه مقاليد الحُكم عام (2020)م، كانت تعجُّ بالعالم عواصف وحالات خارج السيطرة، منها (كوفيد 19)، وسعر برميل النفط الذي وصل بحدود (35) دولارًا للبرميل الواحد، والدَّيْن العام بحدود (21) مليار ريال عماني، والتضخم الاقتصادي العالمي، بالإضافة إلى كثير من الأمور الداخليَّة التي تحتاج إلى برمجة وترتيب وإعادة هيكلة بما يضمن استمرار مَسيرة النهضة المُتجدِّدة، وفعلًا قادها جلالة السلطان بكل اقتدار وإبداع وتفانٍ لينجز خلال السنوات الخمس الماضية الكثير من المنجزات التي نفتخر بها نحن العُمانيين وكذلك أشقاؤنا وأصدقاؤنا؛ لأنَّنا تجاوزنا كثيرًا من الأمواج العاتية بكل كفاءة وحكمة متوازنة، وهذا ناتج من إرث عُماني راسخ وأصيل ورؤية متفائلة للمستقبل بكل ثقة للوصول إلى مصافِّ الدول المتقدمة. صراحةً، هذا المقال المتواضع لا يرتقي بما تم إنجازه من قِبل مولانا جلالة السُّلطان وفريق العمل الحكومي من الخط الأول الذين يعملون بشكل دؤوب على تجديد وتطوير الدبلوماسيَّة العُمانيَّة والحفاظ على مكانتها أمام العالم. أهمُّ النقاط والإنجازات التي تم تنفيذها بكفاءة عالية ومتقنة، وسوف نعرج عليها بشكل مقتضب: فمن ناحية المهارات الدبلوماسيَّة والعلاقات الدوليَّة، نلاحظ بكل فخر واعتزاز أن جلالة السُّلطان هيثم قد تنقل في أرجاء الأرض شرقًا وغربًا؛ فجلالته لا يركز كثيرًا في الملفات السياسيَّة والأحداث الساخنة بقدر ما يحمل راية الدبلوماسيَّة الاقتصاديَّة في جميع أنواع زيارته، سواء (زيارة دولة، رسميَّة، أخويَّة)، ليطوِّر ويجدِّد هذا الملف من خلال إنشاء صناديق استثماريَّة مع بعض الدول، ويلتقي برجال الأعمال وكبرى الرؤساء التنفيذيين، ليفتح أمامهم فرص الاستثمار والعمل الاقتصادي بين سلطنة عُمان ودولهم، وتوقيع مذكّرات واتفاقيَّات عديدة ومتنوعة لمختلف المجالات، حيث فتحت الآفاق أمام كثير من رجال الأعمال العُمانيين. ولا ننسى الدور الكبير الذي تؤدِّيه سفاراتنا بالخارج من خلال التنسيق وتطبيق رؤية جلالة السُّلطان في الاهتمام بالدبلوماسيَّة الاقتصاديَّة، بالإضافة إلى بناء علاقات دوليَّة متوازنة مبنيَّة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخليَّة.
أمَّا موضوع فن الدبلوماسيَّة ومفاهيم البروتوكول والإتيكيت، فقد أضاف جلالته الكثير لهذه المفردات خلال هذه الفترة الوجيزة؛ نذكر منها: سابقًا عند دخول الضيف إلى قصر العَلَم العامر، كانت هناك خيول تقف على جانبي المدخل، بينما الآن تقف المجاميع العُمانيَّة من نساء ورجال بأزيائهم التراثيَّة والأهازيج الشَّعبيَّة لتعريف الضيف على جميع إرث محافظتنا الغالية. كما نلاحظ أيضًا بأن الزيَّ العُماني لجميع أفراد الطاقم الوزاري المرافق يرتدون نفس لون البشت والملابس الأخرى، وبذلك يكون الوفد المرافق بأعلى درجات الإتيكيت، سواء بالفترة النهاريَّة أو بالفترة الليليَّة؛ أي بمعنى الخياطة والقماش كله موحَّد بلون واحد وليس بدرجات. وتميَّزت السلطنة أيضًا في عهد جلالة السلطان هيثم ـ أبقاه الله ـ بتنفيذ مفردات وأجندة «زيارة الدولة» بأعلى كفاءة، ابتداءً من السجادة الحمراء التي يكون عرضها (2.70) سم، وبالإطار الذهبي على الجانبين لجميع ضيوف السلطنة، حيث تقسم مراسم الاستقبال إلى شَعبي ورسمي. وهنا لا بُدَّ أن نشير إلى الكفاءة العالية والمتمرسة لجميع أفراد دائرة المراسم السُّلطانيَّة، الذين هُويَّتهم الوطنيَّة هي الإبداع والتفاني بالعمل، وهذا كله تحت نظر ومتابعة دقيقة من قِبل جلالته. تؤدي العلاقات الأخويَّة والتاريخيَّة دورًا أكبر بكثير من البروتوكولات الدوليَّة، وقد أعطى جلالته زخمًا وثقلًا واحترامًا منقطع النظير لها؛ لذلك حينما يكون هو في مقدمة مستقبليه في ديسمبر (2021) لصاحب السُّمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء بالمملكة العربيَّة السعوديَّة الشقيقة، ولتبدأ بعدها المراسم الرسميَّة في قصر العلم العامر، وكثير من المحللين والدبلوماسيين أبدوا استفساراتهم حول كيفيَّة خروج السُّلطان لولي العهد السعودي، حيث أضاف مولانا مفردة جديدة إلى البروتوكول الدولي بأن العلاقات الأخويَّة والتاريخيَّة بين الطرفين لها الأولويَّة ضمن مفاهيم البروتوكول وإتيكيت استقبال كبار الشخصيَّات.
د. سعدون بن حسين الحمداني
دبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت