الثلاثاء 21 يوليو 2026 م - 6 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

رحاب : «هايكنج وادي رشم- جرزيز».. ماراثون الغايات النبيلة

رحاب : «هايكنج وادي رشم- جرزيز».. ماراثون الغايات النبيلة
الاثنين - 20 يوليو 2026 05:06 م

د ـ أحمد بن علي المعشني

40



بدأت رحلتنا سيرًا على الأقدام من مرتفعات كزميم في منطقة حجيف بولاية صلالة، نزولًا إلى وادي رشم الذي يفضي بعد مسافة 18 كيلومترًا، إلى عين جرزيز في سهل صلالة.

استغرقت رحلتنا عدة ساعات تخللتها عدة استراحات في عين قيلوت التي استقبلنا خرير مائها

وغابات أشجارها، واصلنا سيرنا إلى عين عرشين التي ينساب ماؤها من صدر الجبل وينزل مسافة 150 مترًا، فتستلمه جابية مستطيلة الشكل واسعة تتجمع فيها المياه المعدنية النقية.

كان الوقت لا يزال صباحًا، وكان بوسعنا أن نستمر في السير، لكن المكان كان جذّابًا بما فيه من أشجار ورافة وماء رقراق وظل وارف، لاحظت معدات إزاحة الصخور ومجارف تحريك الطين وبقايا أكياس الاسمنت، ويبدو أن المكان نال جُهدًا من الصيانة والتنظيف.

بعد قليل من وصولنا أقبل شاب من جهة جنوب الوادي يمشي وعلى ظهره حقيبة رحلات، يلبس حذاء للمشي الجبلي، ويتوكأ على عصا طويلة، سلَّم علينا ومكث معنا قليلًا وعلمنا منه أنه سيلحق بمجموعة شباب من أبناء المنطقة سبقوه إلى عين الماء التي تقع إلى أعلى من مكاننا، جاءوا من كزميم ومعهم شتلات أشجار محلية لزراعتها.

أدركت أن السكان المحليين هنا يعيشون ماراثون الغايات النبيلة، نرى آثاره في نظافة المكان

وسهولة الطرق التي تفضي إلى المكان.

مكثنا قليلًا ثم أقبل أحد أبناء المنطقة وبمعيته ابنه الذي يبدو دون العشرين من عمره، وبعد أن أخذنا أخباره، بدأ يتحدث معنا عن العمل التطوعي لشق الطرق وتنظيف العيون المائية، استحسنت ذلك الحديث لما يحمل من إيجابية وتعاون الناس على اختلاف قبائلهم، فعندما ينشغل الناس بالغايات النبيلة تسمو حياتهم وترتقي إلى مستوى المعنى.

مكثنا ساعات النهار الجميل هناك واستمعنا إلى سرد ذكريات ذلك الزائر الأنيس في تلك المنطقة، وفي تمام الساعة الثانية والنصف كنا جاهزين لاستئناف المشي، أعدت فتح تطبيق هاتفي لتصوير المعالم وحساب المسافة، كنا قد قطعنا 5.6 كيلو فقط، واختلفت تقديرات زملائي بين من يقدّر المسافة التي علينا أن نسيرها بثمانية عشر كيلومترًا وبين من يقول هي لا تزيد عن اثني عشر كيلومترًا، لا يهمني كثيرًا طول المسافة، المهم أن نستمتع بالسير والاكتشاف والاندماج البدني والعقلي والروحي في وعي الطبيعة النقي الذي يحرك كل خلية في جسمي، كان الطريق لا يقل روعة وجمالًا عن المسافة التي مشيناها، فالوادي حافل بالكهوف التي كانت منذ عقود تأوي السكان من الأمطار والرياح قبل أن يعمَّ عمران النهضة قمم كزميم الباردة.. وغيرها من أنحاء سلطنة عُمان.

تحولت الكهوف في بلادنا المباركة إلى معالم للحكايات والأساطير ورحلات الهايكنج والسياحة، كان برنامج (Relive) يشير إلى مسافة 7.3 كيلومتر عندما وصلنا إلى عين شيروت التي يطل عليها كهف واسع يستقبل الشروق ويفرش ظله الواسع عندما تشتد وطأة الشمس، استقبلنا ثلة من الشباب كانوا قد سبقونا إلى هناك، أكرمونا وشرحوا لنا ما حظيت به العين من صيانة وتعمير، شربنا الشاي معهم والتقطنا معهم الصور التذكارية، ثم استأنفنا السير نحو جرزيز، حيث لاحظت أن الساعة تشير إلى الرابعة عصرًا، استمر جمال المكان وتنوعه يرافقنا، كنّا بين وقت وآخر نستريح للتأمل والاستراحة وشرب الماء والتقاط مزيد من الصور والفيديوهات.

كنت أستعيد بعضًا من ذكريات الطفولة التي أمضيتها في وادي قوصد وجنين نظرًا لتشابه المعالم، كانت الحياة يومئذٍ ضربًا من المعاناة ومواجهة التحديات الكثيرة كالرعي في الأماكن الوعرة وارتياد الفجاج النائية بحثًا عن الماء قبل أن تصير حياتنا رفاهًا ورخاء يدفع الناس إلى الحركة والمشقة هروبا من الرفاهية والتخمة.

د. أحمد بن علي المعشني 

 رئيس أكاديمية النجاح للتنمية البشرية