الثلاثاء 21 يوليو 2026 م - 6 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : السفر والسياحة وأخلاق الشخصية العمانية

في العمق : السفر والسياحة وأخلاق الشخصية العمانية
الاثنين - 20 يوليو 2026 05:07 م

د.رجب بن علي العويسي

20

السفر والسياحة لُغة حالمة تتجه إلى البحث في أعماق التفاعل الإنساني، ووجدانيَّات المشاعر، وتعايش الفكر، وهدوء السلوك، ورونق المكان واحتوائه، ورُقي المزاج، وسُمو السلوك، وجودة الممارسة، والذَّوق العام، والمشاركة الإيجابيَّة، ونقل الخيال المُطوِّر للسياحة، المُجدِّد لفلسفتها، والمُنوِّع لأنشطتها؛ ليكتشفَ خلاله الإنسان جَمال المبنى وحكمة المغزى، حيث حركة السفر والسياحة والاستجمام والتنقل بين الطبيعة والتاريخ والتراث والثقافة والفنون والبيئة الحيويَّة السَّاحرة، والمناظر الخلابة، والحدائق، والغابات، في العديد من الوجهات السياحيَّة المتنوِّعة حول العالم، إنها فترة مستقطعة من عمر الزمن؛ ليتأمل فيها الفرد في ذاته وعظيم صنع الله، ومساحة يجدها مناسبة للنقاهة والشعور بجَماليَّات الحياة، وتغيير نمط الروتين اليومي، وإضافة بعض النكهات الجَماليَّة الحياتيَّة المبتكرة فيها؛ لإعادة قراءة الحياة في ثوبها الجديد، وقادمها الباسم المشرق، وطبيعتها العفويَّة المتسامحة والمتصالحة مع الحياة.

وإذا كان الحديث عن السفر والسياحة لا يحدُّه وطن أو تختصره مسافة، فإنَّه أيضًا لا يرتبط بوجهة سياحيَّة دون غيرها، فإن مؤشِّرات تقييم السياحة العالميَّة تُبرز قِيمة الوعي والثقافة الرَّاقية كمعايير أساسيَّة لسياحة ناجحة، وأن ما تحمله الشعوب من قناعات حول مواطني بعض الدول يعكس مستوى ما يحمله هؤلاء من مبادئ أوطانهم في تعاملهم مع خصوصيَّات تلك البلدان وثقافتها، وسِمة التسامح والمسؤوليَّة التي يتحلَّون بها في سلوكهم السياحي، بحيث تعكس تصرُّفات السيَّاح وقدرتهم على فَهْم ما يعنيه وجودهم خارج بلدهم قِيمة مضافة في حياتهم؛ لنقل قِيَم مُجتمعهم ومبادئه وحضارته وسلوكه إلى العالم، ويجسّد في شخصيَّته سلوك الإنسان ومواطنة المواطن بما يزجيه من عبير الأخلاق وإنسانيَّة الإنسان؛ باعتبارها الرهان الذي يضمن لرحلة السياحة والتنقل المتعة والفائدة، والسكينة والطمأنينة والاستقرار وخلجات الشعور، وأن يكون سفرًا للأخلاق وللقِيَم والمبادئ قَبل الأجسام، وضرورة استحضار الوعي والالتزام بالتعليمات وقواعد السلوك الأخلاقي قَبل تجهيز الأمتعة والحقائب؛ فهي دليل المسافر إلى عالم أرحب، وفضاء أوسع.

إنَّ إسقاط هذه الصورة النموذج في شخصيَّة المواطن العُماني، وهو يطوف حول العالم متوقفًا في مُدنه ومعالمه، مستحضرًا أخلاق الإنسان وإنسانيَّته في كل المواقف والمصادفات التي يتعرض لها، وعبر بناء سلوك إيجابي ومسار أخلاقي واضح في التعامل مع مُقوِّماتها الطبيعيَّة المتنوعة، وإظهار محاسنها بكل ذوق، واحترام قِيمتها الجماليَّة، وتقدير كل الجهود السَّاعية إلى جعل صفاء هذه البيئة ونظافتها ونقائها وعذوبتها وجَمالها ودلالها مرتبطًا بمساحات الوعي السياحي والسلوك الآمن والشعور بالمسؤوليَّة الشخصيَّة، بما يُعبِّر في انتقاله وتنقله بين الوجهات السياحيَّة حول العالم عن الدبلوماسيَّة الناعمة للسياحة، وتعظيم السَّمت العُماني والخصوصيَّة الوطنيَّة في أدق صوَرها، حاملًا رسالة السَّلام والأمان، وداعيًا إلى الوُدِّ والحُب والالتزام، ومؤصلًا لمنهج التقارب والتواصل مع الآخر في بُلدانهم أو في تعامله مع المنجز السياحي العالمي، واعيًا بالخصوصيَّة الثقافيَّة والاجتماعيَّة والحضاريَّة، وبالتالي بصمة التأثير الإيجابيَّة والأثر النوعي التي يتركه لدى الآخر غير العُماني داخل وطنه وخارجه، الأمر الذي سينعكس إيجابًا على تعامل تلك الشعوب مع أبناء عُمان، وسعيها لتسهيل إجراءات تنقلهم وانتقالهم بين بُلدان العالم المختلفة، وهو نتاج لما نشهده اليوم من سعي دول العالم المختلفة إلى إلغاء نظام تأشيرات الدخول للعُمانيين إلى تلك الدول، وفي الوقت نفسه يقرأ في مواقف السفر والسياحة دروسًا متعلمة في الحياة؛ ليجسِّدَ ما يمتلكه من مَعِين القِيَم ومزون الحكمة وصلابة المبدأ وسُمو الخصال في التعاطي مع المواقف، وقراءة الأحداث والظروف، ويتفاعل من خلالها في ظل جسور المودَّة وحُسن التعامل ولِين الجانب؛ فرصًا أكبر لتلاقح الأفكار والتجارب والخبرات وتعظيم أثرها في حياة الإنسان العُماني.

إنَّ الشخصيَّة العُمانيَّة في هدوئها واتزانها وعمقها والتزامها شخصيَّة مرحة مرنة متناغمة مع معطيات الفكر الرصين، آخذة بمبادئه، ملتزمة معايير الأداء؛ لذلك لم تجد أيّ إشكاليَّة في التكيُّف مع طبيعة الواقع الذي فرض وجوده، بل عملت على إنتاجه والمشاركة في لبنات تطويره، وأسهمت في نقله إلى مرحلة القوَّة والإنتاج والعِلم والعمل، بما أوجدته في المناطق التي وصل إليها العُمانيون من أنشطة اقتصاديَّة، ومراكز تعليميَّة وعلميَّة، وبناء للمساجد والحصون والقلاع، ونشر السَّلام والحُب في مُجتمع يعترف بالتعدديَّة ويؤمن بالمشتركات، فهي بذلك شخصيَّة آمنت بالفكر الشمولي المتسع الذي يحتضن الجميع ويحتويهم، وقَبوله من كل المخاطبين به، الأمر الذي عزَّز من أصالة قواعد السلوك السياحي الذي التزمته الشخصيَّة العُمانيَّة في أيِّ وجهة سياحيَّة وصلت إليها حتى أصبح محبوبًا من الجميع موثوقًا فيه.

وعليه، فإن الحديث عن علاقة السلوك السياحي المتوازن بالشخصيَّة العُمانيَّة يستحضر في جوهره جملة المبادئ والأُطر والموجِّهات التي أصَّلتها الثقافة العُمانيَّة، وأصبحت جزءًا أصيلًا من السَّمت العُماني والهُوِيَّة الوطنيَّة لسلطنة عُمان، والتي تأتي في إطار تعظيم قِيمة المشتركات الوطنيَّة العُمانيَّة، وتأكيد حضورها كممارسة أصيلة في كل المحافل والمواقع والمسؤوليَّات، والالتزام بها كخيوط عمل تعكس قدرة هذه الشخصيَّة على بناء جسور التواصل والالتقاء مع الثقافات والهُويَّات الحضاريَّة؛ إذ من شأن تقوية هذه المشتركات والبناء عليها والالتزام بها والعمل على توعية المُجتمع بها وفرض واقع جديد لها يجنبها التجريب أو الشخصنة، سوف يضمن استدامتها وتأثيرها وقدرتها على بناء محطَّات إنجاز أقوى، فإن صورة الآخر في منظور الشخصيَّة العُمانيَّة قائمة على الإعلاء من إنسانيَّة الإنسان وتعظيم المشتركات، ومبادئ الاعتراف والإنسانيَّة والاحترام والتقدير والتعايش والتكامل والتسامح والحوار والتعدديَّة والتكافؤ؛ لذلك وازنت في قراءتها للأحداث في العالم الرَّقمي والواقعي، وعملت على تقريب فجوة التباعد وإزالة أوهام التمايز، وجعلت من الاختلاف مدخلًا للتكامل، وأن التعدديَّة في الفكر والتنوع في وجهات النظر حالة صحيَّة تعبِّر عن الوعي الذي يعيشه المواطن العُماني للوصول إلى رأي رشيد وفكر سديد ومنهج يرتقي بالإنسان ويضمن قدرته على السُّمو الفكري، وهو الأمر الذي انعكس على حجم التقدير والاحترام الذي يجده الإنسان العُماني أينما حل وارتحل.

من هنا، فإن تعظيم قِيمة هذه القواعد السلوكيَّة وتأكيد حضورها في السياحة العُمانيَّة كممارسة وطنيَّة في الداخل والخارج، وتكامل الخطاب الإعلامي والمؤسَّسي والأُسري ومرونته في تبسيط المفاهيم السياحيَّة وجواهر قِيَم ومبادئ الدبلوماسيَّة السياحيَّة، وتجسيد القِيَم السياحيَّة في سلوك المواطن؛ الذي تقع عليه مسؤوليَّة الالتزام بهذه الموجِّهات كخيوط اتصال وتواصُل مع العالم الآخر؛ لتكون لهم شرعة ومنهاجًا في تكوينهم الشخصي والتزامهم أخلاقيَّات الإنسانيَّة العُمانيَّة وقواعدها السلوكيَّة، حاملين قِيَم الوطن ومبادئه وأخلاقه في كل مواقفهم وأحوالهم وسفرهم وحضرهم؛ وضع الشخصيَّة العُمانيَّة أمام نموذج متفرد اعترف العالم بأهميَّته وقِيمته المضافة في عالم متسارع الأحداث، فهي المتآلفة في واقعها، البشوشة في طبعها، المتسامحة في منهجها، بما تمتلكه من سَمت البساطة وصفاء السريرة وحسِّ الذَّوق في تعاملها مع الآخر، والتي تتميز بها الشخصيَّة العُمانيَّة في رحابتها وقِيَمها وأخلاقيَّاتها وتسامحها في التعامل مع كل القادمين إلى السلطنة.

أخيرًا، فإن دور المواطن العُماني السياحي كمسوِّق لوطنه يضعه اليوم أمام مسؤوليَّة التزام هذه الثوابت الوطنيَّة وتعظيم قدرها والإيمان بأهميَّة استحضار تفاصيلها في كل موقع؛ فهو سفير بلده إلى العالم، يجسِّد سِيرتها التي عُرفت بها بين العالمين، وصورتها التي علقت في الأذهان وتميَّزت بها بين مختلف الأمصار، حاملًا رسالة السَّلام والأمان، وداعيًا إلى الودِّ والحُب والالتزام، ومؤصِّلًا لمنهج التقارب والتواصل مع الآخر في بُلدانهم، أو في تعامله مع المنجز السياحي العالمي، واعيًا بالخصوصيَّة الثقافيَّة والاجتماعيَّة والحضاريَّة للشعوب، وبصمة التأثير الإيجابيَّة التي يتركها لدى غير العُمانيين داخل وطنه وخارجه؛ لتبقى هذه الصورة التي تعكسها أخلاق الإنسان العُماني من جهة، وحكمته في التصرف والتعامل مع الإجراءات المقررة في الوجهات السياحيَّة، أو التزامه بالإرشادات والمسؤوليَّات التي عليه أن يأتيها في كل المنافذ الجويَّة أو غيرها، ودخول المرافق السياحيَّة والبيئات الترويحيَّة أو استخدامه لها؛ تجليات سوف تصنع له استحقاقات قادمة تظهر في حجم هذا التقدير والترحيب الذي سيلقاه في سفره، وحجم التسهيلات والدعم والاهتمام الذي يجده منذ دخول أراضي تلك الدول.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]