الثلاثاء 21 يوليو 2026 م - 6 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

نوم الإنسان وتوتره وغذائه.. حلقات مترابطة!

نوم الإنسان وتوتره وغذائه.. حلقات مترابطة!
الاثنين - 20 يوليو 2026 05:04 م

د. يوسف بن علي الملَّا

20

في أيامنا هذه يتعامل معظمنا مع النوم والتوتر ونظام أكله باعتبارها ثلاثة جوانب منفصلة من الحياة! فنقول ـ مثلًا: إن سوء النوم ليلًا يكون بسبب التوتر خلال الأسبوع من عمل وربما التزامات، وندّعي بأن سوء التغذية نتيجة لنقص قوة الإرادة، غير أن الأبحاث التي أُجريت في السنوات القليلة الماضية توضح بشكل حقيقي بأن هذه العوامل الثلاثة لا تعمل بمعزل عن بعضها البعض، بل تشكل حلقة مترابطة، تمتد مشاكلها والتي إذا ما طرأت في جانب ما ستؤثر في الجانبين الآخرين.

وهكذا فعندما يكون النوم قصيرًا يستجيب الجسم في اليوم التالي برغبة شديدة في تناول المزيد من السعرات الحرارية، وخصوصًا الوجبات الخفيفة السكرية أو الغنية بالدهون، وهذا ما وجده الباحثون الذين تتبعوا البالغين الذين يعانون من قلة النوم، وأدركوا بأن تقليل ساعات النوم يؤدي إلى تناولهم كميات أكبر من السعرات الحرارية من الوجبات الخفيفة في اليوم التالي، حتى دون أي تغيير في مستويات الجوع العامة، في الوقت نفسه يجب أن نعلم بأن عدم نومك بشكلٍ كافٍ سيؤدي إلى ارتفاع مستوى الكورتيزول، وهو هرمون التوتر الرئيسي في الجسم، مما يهيئ الجسم لحالة من الكرِّ والفرِّ ـ إن استطعت القول ـ بدلًا من الراحة والهضم، بل وتجعل استجابة التوتر المرتفعة هذه من الصعب النوم في الليلة التالية، وتتكرر هذه الدورة مع الوقت!.

من ناحية أخرى، يعمل النظام الغذائي على هذه الحلقة المفرغة من الاتجاه المعاكس أيضًا، خصوصًا وأن الأبحاث الحديثة بيّنت أن ما نتناوله من طعام خلال النهار يمكن أن يؤثر على جودة نومنا في الليلة نفسها، وليس فقط على المدى الطويل، بل أن دراسة أخرى أجريت في عام ٢٠٢٥ ميلادية بيّنت أن البالغين الذين تناولوا كميات أكبر من الفواكه والخضراوات خلال النهار حظوا بنوم أقل تقطّعًا، ما أعنيه أنهم شهدوا عددًا أقل من مرات الاستيقاظ والتحولات خارج مرحلة النوم العميق في الليلة ذاتها!.

وهنا طبعًا لا يقتصر تأثير التوتر المزمن على جعل الاسترخاء عند موعد النوم أكثر صعوبة فحسب، بل يمتد ليغير الشهية وخيارات الطعام، فلا ننسى أن ارتفاع مستويات هرمون الكورتيزول ترتبط بزيادة الميل إلى تناول الأطعمة الغنية بالسعرات الحرارية التي تمنح شعورًا بالراحة النفسية، وهنا مرة أخرى ارجع وأؤكد بأن النظام الغذائي غير الصحي قد يؤدي إلى تدهور المزاج وزيادة حدة الاستجابة للتوتر، بينما يمكن للتوتر بدوره أن يدفع الأفراد نحو تبني أنماط غذائية أقل صحة…وهنا يكمن الخطأ!.

وعليه ونظرًا لمدى تداخل هذه الأنظمة مع بعضها ،غالبًا ما يتساءل المرضى عن أيها ينبغي البدء بمعالجته أولًا؟ وعادة ما أذكر من حولي بالتركيز على النظام الغذائي لسبب بسيط، لأنه كما نعلم جميعًا أنه هو الجانب الأكثر قابلية للتنفيذ الفوري من بين هذه الجوانب الثلاثة، إذ لا يمكنك إجبار نفسك على الشعور بتوتر أقل أو الخلود إلى النوم بسرعة أكبر الليلة، لكن يمكنك التحكم فيما تتناوله في وجبة العشاء!.

ومنا هنا يجب الحرص على على تناول حصة واحدة على الأقل من الفاكهة أو الخضراوات في وجبة العشاء، وأيضًا من الجيد الانتباه لتوقيت تناول الكافيين، وليس فقط كميته، لأن حتى الكافيين في فترة ما بعد الظهر قد يؤثر سلبًا على النوم العميق بعد ساعات، والأهم يجب ان يتعامل الفرد مع إدارة التوتر كجزء من نظامه الغذائي وليس كمشروع منفصل، فالمشي لفترة قصيرة أو تمارين التنفس بعد تناول وجبة ثقيلة يمكن أن يخفف من ارتفاع الكورتيزول الذي يحفز على تناول الوجبات الخفيفة في وقت متأخر من الليل.

ختامًا.. النوم والتوتر والنظام الغذائي ليست ثلاثة أهداف منفصلة يتعين الموازنة بينها، بل هي منظومة واحدة، فتحسين أي منها يؤدي بشكل ما إلى تحسن العنصرين الآخرين.

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

[email protected]