أحسَنُ ما في شهر رمضان هو طاقة الخير الَّتي تملؤُ قلوب الصَّائمين، دُونَ النَّظر لِغنيٍ أو فقير، والأجواء الإيمانيَّة الَّتي تجعل الصَّلاة وارتياد المساجد متعةً يتسابق إِلَيْها الصَّائمون، ورياضةً روحيَّة لا نريدها أن تنتهيَ. فما أن يفرغَ المسجد من صلاة التَّراويح، حتَّى يستقبلَ صلاة التهجُّد، وما أن يبدأَ الثُّلث الأخير من الشَّهر الفضيل حتَّى تمتدَّ الصفوف لِتَأديةِ صلاة القيام والاعتكاف في المساجد. والظَّاهرة الَّتي تثلج القلوب، أنَّ الشَّباب وصغار السِّن في صدارة المشهد يتقدَّمون الصفوف في المساجد، كما أنَّهم يتنافسون في أعمال الخير، وتوزيع الصَّدقات على المستحقِّين وإفطار الصَّائمين.
كما أنَّ رمضان شهر الكرم والمَحبَّة و»اللمَّة»، خصوصًا إذا كنتَ تعيش في عُمان، فأنتَ لا تشعر بغربة، ويتسابق أصدقاؤك وزملاؤك العُمانيون على دعوتك للإفطار في بيوتهم، ورغم اختلاف طقوس الإفطار بعض الشَّيء بَيْنَ البَلدَيْنِ، فنحن المصريِّين نتناول طعام الإفطار كاملًا ـ مرَّة واحدة ـ بَيْنَما هنا في عُمان يمتدُّ الإفطار من أذان المغرب حتَّى بعد العشاء، وربَّما لِمُنتصفِ اللَّيل. والحقيقة بعد التجربة تبَيَّنَ لي أنَّ الطريقة العُمانيَّة في الإفطار مُرِيحة للمَعِدة، فأنتَ تكسر صيامك على التَّمر واللَّبن وبعض اللُّقيمات الخفيفة، فتذهب إلى صلاة العشاء والتراويح خفيفًا نشيطًا، بَيْنَما وجبة الإفطار المصريَّة والَّتي تكُونُ دسمةً في أغلب الأحيان تُشعرك بالثّقل، خصوصًا إذا اندفعت في تناول الأصناف الشهيَّة الَّتي يتميَّز بها المطبخ المصري من المحاشي والبَط والحمام والكنافة والقطائف، تذهب للصلاة وأنتَ تحمل على كاهلك الشَّيء الكثير، الشَّيء السلبي في الطريقة العُمانيَّة والَّتي يصعب تطبيقها لدى المصريِّين، هو أنَّها تستلزم أن يبقَى المطبخ مفتوحًا، في حالة نشاط منذُ أذان المغرب حتَّى منتصف اللَّيل، وهو أمْرٌ شاقٌّ على ربَّات البيوت المصريَّات في ظلِّ ندرة وجود عاملات المنازل في البيوت المصريَّة، مقارنةً بالبيوت العُمانيَّة، حيث لا يكاد يخلو منزل من وجود عاملة أو أكثر تساعد «سِت البيت».
تصادَفَ إفطاري لدى صديقي العُماني مع الاحتفال بـ»القرنقشوه»، ولِحُسنِ الطَّالع أنَّ مستضيفي يسكُن في منطقة السيب، الَّتي ما زالت محتفظةً بجوٍّ من الدِّفء والألفة والعادات والتَّقاليد الجميلة، فما أن انتهينا من صلاة المغرب والإفطار (الأوَّلي)، حتَّى تداعى إلى مسامعنا صوت الأطفال يصدحون بأناشيد «القرنقشوه» ويطوفون على منازل الحيِّ، وقَبل أن يطرقوا باب المنزل، كان صديقي جاهزًا بصوانٍ كبيرة رصَّ عَلَيْها أصناف الحلوى والعصائر وزيَّنها بشرائط زاهية، واتَّجهنا للباب نراقب الصِّغار وهُمْ يتدافعون في براءة لالتقاط أكياس الحلوى، ترتسم على وجوههم ضحكات صافية، أدخلت الفرحة على قلوب الشيوخ من أمثالي. في مصر، رغم رغبة بعض السوداويِّين في إضفاء أجواء الأزمة والمعاناة الاقتصاديَّة على جموع المصريِّين، إلَّا أنَّه يظلُّ رمضان في مصر «حاجة تانية»، الشَّوارع مضاءة بالزِّينة، وموائد الرحمن تمتدُّ في الميادين الراقية والمناطق الشَّعبيَّة، والتَّكافل الاجتماعي يتجلَّى في أبهى صوَره، «شنط رمضان» ما زالت بندًا رئيسًا في ميزانيَّات مُعْظم الأُسر المصريَّة، حتَّى الفقير الَّذي يتلقَّى الصَّدقة، تجد مائدته عامرةً بأشهى أصناف الطَّعام، وباب منزله مفتوحًا لاستقبال المارِّين وعابري السَّبيل. وهذا العام امتلأت مواقع التواصُل الاجتماعي بمشاهد لأكبر مائدة إفطار على مستوى العالَم، استضافها حيُّ المطرية الشَّعبي بشمال القاهرة، شارك فيها أكثر من عشرة آلاف مُسلِم ومسيحي من سكَّان الحيِّ العشوائي الَّذي يُعَدُّ من أفقر أحياء القاهرة، ويعيش فيه أكثر من (700) ألف نسمة في أقلّ من عدَّة كيلومترات، ورغم ذلك استطاعوا بفضل الله وبركة الشَّهر الفضيل والحُب والجهود الذَّاتيَّة تنظيم أطول مائدة رمضانيَّة عَلَيْها أشهى أنواع الطَّعام، تشارَك صوَرها المؤثِّرون ومشاهير «السوشيال ميديا» في مصر والوطن العربي ودوَل العالَم.
محمد عبد الصادق
كاتب صحفي مصري