الاثنين 20 يوليو 2026 م - 5 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

الأمن الوطني.. مسؤولية جماعية والمحافظة على الأوطان مهمة وطنية

الأمن الوطني.. مسؤولية جماعية والمحافظة على الأوطان مهمة وطنية
الأحد - 19 يوليو 2026 05:04 م

محمد بن سعيد الفطيسي

20

ممَّا لا شكَّ فيه، واستنادًا إلى أحداث تاريخ البشريَّة في الماضي والحاضر، أن «العمل لا يثمر، والحضارة لا تزدهر وتتقدم، والرخاء لا يعمُّ ولا يَسُود إلَّا في ظلال الاستقرار، ولا استقرار بغير أمن وأمان؛ ذلك أن الأمن هو الإحساس بالطمأنينة والشعور بالسِّلم والأمان، وهو مقياس تقدُّم الأمم والشعوب، وبدون الأمن لا تستقيم الحياة، ولا تقرُّ العيون، ولا تهدأ القلوب»، ولعلَّ البشريَّة في القرن الـ(21) ليست أقل إدراكًا لهذا الأمر، خصوصًا أن الإنسان في عصرنا الراهن مرَّ بالعديد من الحروب والصراعات التي قضَّت مضجعه، وحطَّمت سكينة نفسه ومعيشته.

ولذلك لم يَعُدْ أمن الفرد مقتصرًا على حقوقه المنصوص عليها في القوانين الوضعيَّة فقط، وإنما «يمتد أمنه أساسًا لحقوقه ومبادئه وحُريَّته التي ينادي بها الدِّين الإسلامي الحنيف، وتتطلبها الأخلاق الحميدة والعُرف والمواثيق الدوليَّة والعالميَّة والقِيَم المتجدِّدة النابعة من روح العصر الحديث».

من هذا المنطلق يتضح أن مهمَّة الأمن، هي مهمَّة كل إنسان في هذه الحياة، وأن المسؤوليَّة عنه مسؤوليَّة جماعيَّة، فردًا كان أم جماعة، هيئةً أم سُلطة. وينبغي لنا جميعًا بلا استثناء أن نكون على استعداد لاستخدامه ومناشدته بكل الوسائل والسُّبل حتى نتمكن من إبلاغ الرأي العام بأهميَّته وإجراءات الوقاية لمنع المُشْكلات من أن تتفاقم، فتتحول إلى صراعات ومشاقَّات بين الأفراد والجماعات والدول.

بعبارة أخرى، يجب علينا أن نوحِّد الأمن والسِّلم في القلوب وفي الثقافات، فخلق ثقافة الأمن هو مهمَّة الجميع: «الدولة، السُّلطة، الهيئات الاجتماعيَّة، المُعلِّم، المُربِّي، الأجهزة الأمنيَّة... وغيرهم»، ولم يَعُدِ الأمن اتفاقًا بين الأقوياء كما تتصور بعض القوى الكبرى، أو أنه نعمة أسبغها الحق سبحانه وتعالى على بلد سعيد الحظ، أو أنه وضع اجتماعي يستطيع كل فرد في أيِّ وقت أن يسهم فيه؛ لأنَّه مهمَّة عالميَّة، ورسالة إنسانيَّة، ومسؤوليَّة كونيَّة.

وبالطبع، لا يمكن إنكار أهميَّة دور رجال السُّلطة أو الحكومة والمسؤولين في أيِّ دولة، غير أن الفرص المتاحة للعمل الفردي والجماعي لصالح الأمن أكبر بالتأكيد ممَّا قد يتبادر إلى الذهن، فالأمن سلوك وأخلاقيَّات وقِيَم وثقافة، وعلينا الحفاظ عليه في كل جوانب الحياة اليوميَّة في المنزل والمدرسة والجامعة ومكان العمل وغيرها.

فإن مؤسَّسات الدولة تُعَدُّ عاملًا أساسًا في مسؤوليَّة تحقيق الأمن والتَّماسُك الداخلي والمنعة الخارجيَّة، سواء في ذلك المؤسَّسات الحكوميَّة أو غير الحكوميَّة، وهذا يعني أنه لا بُدَّ من قيام النظام السياسي بوظائفه التي تكفل قدرة الدولة بمؤسَّساتها السياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والإعلاميَّة على السيطرة على الصراعات الداخليَّة ورقابتها وإدارتها بصورة تضمن عدم تفجرها أو تفاقمها العنفوي، بصورة تهدِّد الدولة وسيادتها أو وحدة المُجتمع، وكذلك تحقيق الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصاديَّة والتكامل الاجتماعي والتوازن البيئي والتربوي.

وهكذا يمكننا القول: إن المتغيرات المعاصرة تستدعي بالضرورة النظر إلى المسألة الأمنيَّة باعتبارها تعني كل أفراد المُجتمع، ثم أصبح من اللازم اشتراك كل هيئات المُجتمع الرسميَّة والأهليَّة في دعم مَسيرة الأجهزة الأمنيَّة، ولبلوغ تلك الغايات والأهداف الأمنيَّة، لا بُدَّ من غرس هذه القِيَم في عقول النشء والشباب من خلال المؤسَّسات الاجتماعيَّة والتربويَّة والدينيَّة والإعلاميَّة، بدءًا من الأُسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام والمُجتمع المحلِّي وغيرها من المؤسَّسات والهيئات ذات الصلة بالتربية الوطنيَّة؛ من أجل تكوين المواطن الصالح وتحصين أفراد المُجتمع لضمان التزامهم بنُظم وقِيَم وضوابط المُجتمع الدينيَّة والأخلاقيَّة والمُجتمعيَّة والقانونيَّة، بل وتحفيزهم للمشاركة في تحقيق الأمن الشامل بمشاركة كل الناس (أفرادًا وجماعات)، تبعًا للتوجُّهات المُجتمعيَّة والإقليميَّة والدوليَّة التي بدأت تترسخ يومًا بعد يوم، والتي تؤكد ضرورة الإسهام الجماهيري في المجال الأمني.

محمد بن سعيد الفطيسي

باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية

رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

[email protected]

MSHD999 @